آخر الأخبار

الدكتورة خالدة مصاروة تكتب : أبستمولوجيا التعليم عن بُعد وتحدياتها

جوهرة العرب - د. خالدة مصاروة


إنَّ البحث في أبستمولوجيا التعليم، وفلسفتها في الوقت الراهن -المُصاحب للجائحة- تُدخل أي باحث في جملة تحديات تحتاج لإجابات ترافقها حلولاً مستعجلة، وقابلة للتطبيق فورًا؛ لأن أي تأخير سيتسبب بفقدان كل ما حققه التعليم عن بُعد من إيجابيات، وسيكرّس السلبيات، وتستسلم المنظومة التربوية أمامها، علمًا أن هذه الحلول تمتاز بتعاضد الاختصاصات البينية، وتشاركية الخبرات من شتى المجالات.

هنالك إجماع على أن التعليم عن بُعد يُبنى لوجستيًا على مدى تقدم الدولة من ناحيتي التكنولوجيا الحديثة، والاتصالات، وبما أن الظروف قد أجبرتنا على الدخول في معترك التكنولوجيا، فلا بد للجهات المعنية أن تستثمر عقول العاملين فيها لإيجاد الحلول التي من شأنها ردم فجوة الاتصالات وثورة المعلومات التي تعاني منها الدولة، وإخراجها من حيز المحاصصة الطبقية البرجوازية التي يتمكن أفرادها من امتلاك أحدث الأجهزة وأفضل الخدمات، والمحاصصة الجغرافية النائية والتي يفتقر أفرادها إلى تلك الخدمات وعجزهم عن امتلاك أدنى أنواع الأجهزة، إلى جانب (أتمتة) جميع القطاعات الخدمية بما فيها التربوية، وعدم الوقوف عند حيز المنصة، أو المحطات المتلفزة فقط، وهذا أول تحدٍ لابد من مجابهته.  

مكَّن التعليم عن بُعد ولي الأمر من متابعة سير العملية التعليمية التي كان يجهل كواليسها داخل الغرفة الصفية والمدرسة، وبات بمقدوره الوقوف عند مستوى أبنائه أولاً بأول؛ إلا أن ذلك غير كافٍ، وغير مجدي حين يكون ولي الأمر غير مهيأ أكاديميًا وثقافيًا وتكنولوجيًا، وهنا ندخل في تحدي الثقافة التربوية الاجتماعية التي تخرج عن نطاق الطالب إلى المجتمع، والتي يقع على وزارة الثقافة مسؤوليتها، وهي –للأسف- لم تقم بأي شيء إلى الآن فيما بحثتُ ورصدتُ. وهذا ثاني تحدٍ بحاجة إلى تدخل وحل؛ لأن العملية التعليمية تقوم على ثلاثة أضلاع تلتقي معًا لتشكل قاعدة رئيسية للتعلم وهي: الأهل، والمؤسسة التعليمية، والمجتمع.  

أسهم التعليم عن بُعد في وضع المعلم أمام خيارات لا تقبل الرمادية: إمّا التدريب والتمكين، أو الفشل حين يجد نفسه معلمًا غير صالح للتعليم الحديث وأساليبه؛ فقد كشفت حداثة التعليم أن الخبرة الكلاسيكية وحدها غير كافية في ظل تدفق المعلومات وتطورها، ولا تقف عند حد الرتبة الأكاديمية، بل تتجاوزها إلى المخزون المعرفي المكتسب من القراءة، والمطالعة، ومواكبة كل ما هو جديد. وهنا يطرح هذا النمط من التعليم تساؤلات حول جدوى الخبراء التربويين المنغلقين على العقلية الكلاسيكية، والمكرسين لسلطة الورقة، والقلم، والخطط، ودفتر التحضير، ورصد الحضور والغياب وغيرها من الشكليات، وهذا ثالث تحدٍ بحاجة لتأمل وحلّ؛ أي إعادة النظر في الخبراء التربويين، فقد علمتنا الجائحة أن الخبرة الكلاسيكية في الظروف الطارئة لا ثقة بها.   

أنا على ثقة بأن الطالب لن يكون إعادة إنتاج لأهله، ولن يكون نمطيًا كما تريده بعض الدول، بل سيكون ابنًا للحياة ولمتطلباتها، وهذا ليس إيجابيًا بمجمله، وليس سلبيًا كذلك؛ فمثلاً النزعة الانهزامية التي كرستها مقولة: "اللحم لك والعظم لنا" قد اختفت مع التعليم عن بُعد، إلى جانب اختفاء الروتين القاهر المتكرر مع كل صباح من طابور وإذاعة صارمة تبث مواضيع مستهلكة، ولم يعد الطالب خاضعًا لسلطة المعلم مصدر الأوامر والتعليمات. ولكن علينا أن لا ننسى بأن الحنين لصوت الجرس، والسلام الملكي ونشيد موطني، ومراسم رفع العلم قد حشرجت بها أصوات المعلمين والطلاب حين تحدثوا عن إيجابيات الحضور إلى المدرسة. وهذا تحدٍ يُضاف إلى النقطة السابقة، وهي مدى فاعلية وجدوى علماء النفس التربوي في هذه المرحلة الذين لم أسمع إلا أصوات قلَّة منهم للأسف، وما أمسَّ حاجة الطلبة والأهل والمعلمين إليهم في هذه المرحلة الحرجة. فمثلاً: غابت برامج خاصة بصعوبات التعلم وأقلمته مع التعلم عن بُعد، وغابت العناية بمعالجة إشكالية طول مكوث الطالب منفردًا أمام الأجهزة، ووسائل التكنولوجيا الحديثة وأثرها على شخصيته ونفسيته، وغابت العناية بفئة رياض الأطفال إلى الصف الثالث وهي فئة تعتمد على التعلم بالحواس، وتنمية المهارات الحركية الصغرى والكبرى، وتحتاج إلى التواصل الاجتماعي المباشر، ويصعب في التعلم عن بعد توفير هذه المهارات، إلى جانب غياب التحديات الأُسرية من توفير مساحة للتعلم في البيت، فجميع أفراد البيت انتقلوا للعمل داخل البيت لذلك أصبح لزامًا على العائلة المشاركة في مساحات معينة، وماذا بالنسبة للبيوت الصغيرة وعدد الأفراد الكبير، ما الحل؟ ننتظر إجابات وحلول من خبرائنا، وأنا على ثقة أنهم يمتلكون ناصيتها.

إنَّ التحديات التي سقتها -بكل تأكيد- ليست كل التحديات المُحتاجة إلى حلول، ولا تنتقص من قيمة التعليم عن بُعد؛ بل تطمح إلى الارتقاء به لأهميته وحاجتنا إليه، فهذه الجائحة علمتنا الكثير، مثل تطوير المهارات، وحل المشكلات، والتغلب على الأزمات، علمتنا التفكير وهو أهم ركائز التعليم، هذا التفكير خارج الصندوق الذي جَعَلَ المواطن شريكًا في حل المشكلة، علمتنا الجائحة بأن التعلم والتعليم لا حدود له، ولا يقتصر على وجود الطلاب بيد جدران المدرسة، بل بالإمكان أن يكون في أي وقت؛ لذلك يجب أن يكون التعليم عن بُعد ركنًا من المنظومة التعليمية في أي وقت حتى بعد الجائحة.