آخر الأخبار

الدكتورة خالدة مصاروة تكتب : رقمنة الكتابة ... ومحو التدوین

جوهرة العرب - د. خالدة مصاروة / التخصص إدارة تربویة - جامعة عمّان العربیة

أعشق رائحة الورق... بیني وبین القلم والورق عشق لا ینتھي، وبالرغم من اتقاني استعمال التكنولوجیا، واعترافي بھیمنتھا وسلطتھا وحضورھا الآن ومستقبلاً، إلاّ أنني لا أجد 
متعتي إلا في تلك الصفحات البیضاء والصفراء. أن تكتب ما یجول في ذھنك على الورق، وتتأملھ، وتعید قراءة ما كتبت، فیھ فھم واستیعاب وتعّلم كبیر. أن تقرأ كتابًا ورقیًا، وتقلّب 
صفحاتھ، وتضع ملاحظاتك على الھوامش، فإنك تكتسب مھارات علیا، مھارات تصوریة، ویبدأ خیالك في الابداع، واستمتاعك في الوقت أكبر، وستشعر بلذة القراءة. والكتاب الورقي یھذب الشخصیة، ویرتقي بقارئھ، ویمرنھ على أسلوب التأمل في كل مناحي الحیاة، ویعلمھ الھدوء، 
والتأني. أما المحمول فلا یملك قدرة الكتاب على الارتباط العاطفي بینھ وبین قارئیھ. كما أنّ السرعة وزخم المعلومات تحیّد العاطفة جانبًا، فلا وقت لدیھا للإدھاش، إن السرعة تبتلع كل شيء جمیل.
استعمالك لوسائل التكنولوجیا في التعلم والقراءة یعطیك معلومات ھائلة، ولكنك لا تركز كثیرًا، فیقصر الوقت، والاشعارات تُشتت تفكیرك. أن تقرأ مقالاً في جریدة ورقیة سیكون استیعابك عالیًا، ولا مجال للفھم الخاطئ، بینما في قراءة نفس المقال على المحمول ستكون نسبة الخطأ أكبر؛ لذلك نستمع إلى تفسیرات، ومعلومات خاطئة، وأخبار غیر صحیحة نتیجة السرعة في القراءة من الكثیرین. 
وإذا كان لا بد من رقمنة الكتابة والقراءة، فأتمنى أن تنشأ مجموعات صدیقة للورق تنشط في مجال المحافظة على الورقة، والقلم، والكتاب، والجریدة، وتحرص على عدم محو ما تمّ تدوینھ من أجدادنا على مرّ تراث عریق امتد لآلاف السنین، فالتكنولوجیا لن تحفظ تراثنا لأبنائنا من بعدنا.
لا أحد یُمكن لھ أن یُنكر أو یتجاوز حقیقة أننا نعیش في عصرٍ رقمي ھیمنت علیھ لغة التكنولوجیا والتطبیقات الذكیة في معظم مجالات الحیاة، ومن أبرزھا المجالات التعلیمیة والتربویة المعنیة بتنشئة فلذات أكبادنا، وأجیالنا المستقبلیة. فأصبحت التكنولوجیا واقعًا مفروضًا لا یمكن تجاوزه، أو غض النظر عنھ؛ بسبب متطلبات العصر التطوریة، والوقائیة من الأمراض والجوائح. فكما رأینا بالأمس القریب كیف حدّق الطلبة والمعلمین والأكادیمیین الجامعیین في شاشاتھم، على وقع أصوات الأزرار ولوحات المفاتیح، فسنرى أنھ في الغد القریب لن تكون ھناك حصة، ولا محاضرة دون استخدام الحاسوب، والھاتف المحمول. 
أسوق إلیكم ھذه الكلمات وفي ذھني فكرة أراھا كالسلاح ذو حدین، وھي أن لوحة المفاتیح قد حلّت مكان القلم، والطباعة على الحاسوب قد حلّت مكان الكتابة الیدویة، وكلاھما لیس سیّان؛ فھناك فروقات واختلافات جوھریة بینھما لا بد من معرفتھا، والالمام بھا؛ لاختیار الأفضل. 
ولنرتكز على ما قالتھ الدراسات العلمیة التي أُجریت لمقارنة الكتابة من خلال استخدام الحاسوب في مقابل التدوین بالقلم وبالید، فھناك دراسة أجراھا مجموعة من علماء النفس الباحثین والتابعین لجامعة برنستون الأمیركیة التي قام بھا الباحثان (بام مولر)، و(دانیال اوبنھایمر) على خمس وتسین طالبًا أثبتت أن الذین یكتبون الملاحظات باستخدام الید یستوعبون الدرس أكثر من أولئك الذین یستخدمون الحاسوب، وعلى أثر ھذه الدراسة بات كثیر من التربویین یشجعون التدوین الیدوي عوضًا عن الطباعة الآلیة على الحاسوب. 
فمن إیجابیات التدوین والكتابة بالید أنھا من الوسائل الناجعة في المساعدة على الفھم والاستیعاب؛ لأنھا مرتبطة بمختلف فصوص الدماغ البشري التي لا یمكنھا تدوین أي معلومة دون استیعابھا بصفة كاملة، في مقابل أن التدوین باستخدام الحاسوب لا یدفع الطالب بالضرورة إلى فھم ما ھو بصدد تدوینھ استنادًا لتلك الدراسة. ولكن باستطاعة الطالب الذي یعتمد الطباعة الآلیة أن یختصر الوقت، ویدون كثیرًا من المعلومات بسرعة، في مقابل أن اعتماده على التدوین بالید لا یمنحھ میزة تدوین الكثیر من المعلومات؛ فھو یصرف الوقت بفھم المعلومة التي یدونھا، لذلك فإن 
كثرة الملاحظات المطبوعة وغیر المكتوبة لا یمكن تعلّمھا. 
كما أن نسبة التركیز في التدوین بواسطة الید والقلم أكبر من الطباعة الآلیة بواسطة الحاسوب؛ فالطلبة ینحرفون أثناء استخدامھم للحاسوب عن الھدف الرئیسي من التدوین حین 
ینشغلون بتفقد صفحاتھم على الفیسبوك، ووسائل التواصل الاجتماعي، أو مراجعة بریدھم الإلكتروني. والأمر لا یقف عند ھذا الحد من التشتیت وانعدام التركیز؛ فقد وجدتُ بعض البرامج الإلكترونیة التي تقوم بتحویل الصوت إلى نصٍ مطبوع، فحتى الطباعة الآلیة بدأت بالاندثار. 
وبناءً على كل ما سبق، أنا أمیل من خلال ھذه النتائج إلى ترجیح لغة القلم مقابل لغة الطباعة الآلیة على الحاسوب في تحقیق التعلم الناجع، مع إیماني أننا بحاجة إلى تعلم أفضل لا تعلم أسرع، وبالرغم من أن بعض الطرق والأدوات الإبداعیة التي تدفع الطلاب قدمًا خلال عملیة التعلم توفرھا التكنولوجیا، لكن ھذا لا یعني محو الكتابة، واستبدال وسائل التدوین. إذن العملیة التعلیمیة ستحتاج إلى التحلیل، والفھم، والتطبیق، إلى جانب جمع واستذكار المعلومات. 

جريدة الدستور