* زيارة الرئيس الأوكراني للأردن في آذار الماضي ولقائه جلالة الملك هيأت لفرصٍ واعدةٍ في المجالات السياسية والأمنية والدفاعية والاقتصادية والإنسانية بين البلدين
* أوكرانيا مستعدة لتزويد الأردن بأنظمة وخبرات التصدي للطائرات الإيرانية المُسيّرة (الدرونز)
* أوكرانيا لم تبدأ الحرب مع روسيا ... والحرب الروسية على أوكرانيا غيّرت البيئة الأمنية الدولية
* أوكرانيا مُنفتحة على المساعي الدبلوماسية والمفاوضات لوقف الحرب الروسية على أوكرانيا للوصول إلى اتفاق سلام دائم
* يجب أن يقوم أي سلام دائم بين أوكرانيا وروسيا على احترام وسيادة جمهورية أوكرانيا وسلامة أراضيها ومواطنيها
* الجالية الأوكرانية في الأردن تصل إلى 5500 شخصٍ ... ولا يوجد لاجئين أوكرانيين في الأردن
* نتطلع إلى استضافة أطفال أوكرانيين تضرروا من الحرب ضمن برامج قصيرة للراحة والترفيه وإعادة التأهيل في الأردن
·عمان / "جوهرة العرب" الإخباري / لقاء حصري
· أجرى المقابلة رئيس التحرير المستشار محمد صالح الملكاوي
أكدت سفيرة أوكرانيا لدى الأردن ميروسلافا شيرباتيوك أن العلاقات الأردنية الأوكرانية تقف أمام فرص واعدة لتوسيع التعاون الثنائي في المجالات السياسية والأمنية والدفاعية والاقتصادية والإنسانية، مشددة على تطلع بلادها إلى الانتقال بالعلاقات بين الأردن وأوكرانيا من إطار الحوار الدبلوماسي التقليدي إلى شراكات عملية تحقق المصالح المشتركة وتعزز أمن البلدين وقدرتهما على مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.
وقالت السفيرة ميروسلافا شيرباتيوك، في مقابلة خاصة مع موقع "جوهرة العرب" الإخباري، إن زيارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى الأردن في 29 آذار 2026 شكّلت محطة مهمة في مسار العلاقات الثنائية، ولا سيما في ظل التصعيد الأمني الذي شهدته المنطقة، مؤكدة أن المباحثات التي أجراها الرئيس زيلينسكي مع جلالة الملك عبدالله الثاني ركزت على فرص تطوير التعاون الأمني والدفاعي والاستفادة من الخبرات الأوكرانية المتراكمة في مواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة وحماية البنية التحتية الحيوية.
وأضافت أن أوكرانيا تنظر إلى الأردن باعتباره شريكاً مهماً في المنطقة، وأن هناك إمكانات لتطوير التعاون في مجالات الأمن الغذائي والطاقة المتجددة والتجارة والاستثمار والعمل الإنساني، إلى جانب تعزيز التواصل بين مؤسسات المجتمع المدني والجامعات والهيئات الثقافية في البلدين.
(تعاون أمني ودفاعي في مواجهة تهديدات الطائرات المسيّرة)
وأوضحت السفيرة ميروسلافا شيرباتيوك أن الحرب الروسية على أوكرانيا غيّرت البيئة الأمنية الدولية بصورة جوهرية، وفرضت تحديات جديدة على العلاقات والشراكات الدولية، مشيرة إلى أن أوكرانيا تدرك طبيعة التهديدات التي تواجهها دول الشرق الأوسط، بحكم تعرض المدن الأوكرانية والسكان المدنيين والبنية التحتية الحيوية لهجمات روسية باستخدام الطائرات المسيّرة المصممة في إيران وغيرها من الأسلحة.
وأكدت أن هذه التجربة أوجدت جوانب من التحديات الأمنية المشتركة بين أوكرانيا ودول المنطقة، الأمر الذي يفتح المجال أمام تبادل الخبرات والتكنولوجيا وتطوير حلول دفاعية أكثر تكاملاً.
وبيّنت أن أوكرانيا راكمت خبرات واسعة في التصدي للهجمات الجوية، وتطوير تقنيات دفاعية مبتكرة، وإنشاء أنظمة متكاملة لحماية السكان والمنشآت الحيوية، معربة عن استعداد بلادها لتبادل هذه الخبرات مع الأردن وشركائها الإقليميين.
وشددت ميروسلافا شيرباتيوك على أن المباحثات الأردنية الأوكرانية أرست أساساً مهماً لمواصلة البحث في فرص التعاون، وأن الجانبين يعملان على تحويل التفاهمات والرؤية المشتركة إلى مجالات عملية، من خلال المشاورات والتنسيق بين المؤسسات المعنية، مع مراعاة احتياجات كل دولة وإمكاناتها.
وفي هذا السياق، أكدت السفيرة أن قيمة الخبرة الأوكرانية لا تقتصر على إنتاج الطائرات المسيّرة أو تطوير وسائل منفردة لاعتراضها، بل تشمل بناء منظومة متكاملة للدفاع المضاد للطائرات المسيّرة، تتضمن أنظمة الرادار والكشف، والبرمجيات المتقدمة، والحرب الإلكترونية، والطائرات المسيّرة الاعتراضية، والتنسيق الفوري بين مختلف مكونات شبكة الدفاع.
وأضافت أن فعالية هذه المنظومات تعتمد على سرعة معالجة المعلومات واتخاذ القرارات، موضحة أن التعامل مع التهديدات الجوية الحديثة قد يتطلب الاستجابة خلال ثوانٍ معدودة، وهو ما دفع أوكرانيا إلى تطوير أساليب أكثر مرونة وتكاملاً لتقليص الوقت الفاصل بين اكتشاف التهديد والتعامل معه.
ورأت ميروسلافا شيرباتيوك أن التعاون المحتمل مع الأردن يمكن أن يشمل تبادل التقنيات، والمشاورات الفنية، والتدريب، وتطوير حلول دفاعية تتلاءم مع الاحتياجات الوطنية، مشيرة إلى أن المناقشات بشأن الأشكال الممكنة لهذا التعاون لا تزال مستمرة، معربة عن أملها في أن تفضي إلى نتائج ملموسة تعزز الأمن الإقليمي وتحمي أرواح المدنيين.
كما لفتت إلى أن انتشار الطائرات المسيّرة بين الجماعات المسلحة من غير الدول يفرض تحديات متزايدة على أمن المنطقة واستقرارها، محذرة من تداعيات انتشار التقنيات العسكرية خارج الأطر الرسمية على السيادة الوطنية وسلامة السكان المدنيين.
(سفيرة أوكرانيا تدعو إلى توسيع التجارة الزراعية مع الأردن)
وفي الجانب الاقتصادي، أكدت سفيرة أوكرانيا ميروسلافا شيرباتيوك أن التجارة والأمن الغذائي يشكلان ركيزتين أساسيتين في العلاقات الأردنية الأوكرانية، مشيرة إلى أن بلادها تسعى إلى استعادة صادراتها الزراعية التقليدية إلى السوق الأردنية وتوسيعها، ولا سيما القمح والشعير والذرة، إلى جانب الزيوت النباتية والمنتجات الغذائية الأخرى.
وكشفت أن حجم تجارة السلع بين أوكرانيا والأردن بلغ نحو 179 مليون دولار أميركي خلال عام 2025، فيما تجاوز 209 ملايين دولار خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، وفق الأرقام التي أوردتها، معتبرة أن هذه المؤشرات تعكس الإمكانات المتاحة لتطوير الشراكة الاقتصادية بين البلدين رغم الظروف الصعبة التي تواجهها أوكرانيا.
وأشارت إلى أن الزيوت النباتية، وفي مقدمتها زيت دوار الشمس، تستحوذ على الحصة الأكبر من الصادرات الأوكرانية إلى الأردن. ووفقاً للبيانات التي قدمتها، شكّلت زيوت دوار الشمس والقرطم وبذور القطن نحو 74% من إجمالي الصادرات الأوكرانية إلى المملكة خلال الفترة من كانون الثاني إلى تموز 2026، فيما بلغت حصة زيت فول الصويا 5.3% إضافية.
وأوضحت أن أوكرانيا كانت تقليدياً من الموردين المهمين للقمح والشعير والذرة إلى الأردن، غير أن الهجمات الروسية على الموانئ والبنية التحتية البحرية وطرق النقل أدت إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف النقل، ما انعكس على قدرة بلادها على تصدير الحبوب إلى الأسواق الدولية.
وأكدت ميروسلافا شيرباتيوك أن استعادة صادرات الحبوب وتوسيعها تمثلان أولوية مباشرة لبلادها، مشيرة إلى اهتمام أوكرانيا بالمشاركة في العطاءات الحكومية الأردنية لشراء الحبوب، بما في ذلك تلك المرتبطة بتأمين المخزون الاستراتيجي للمملكة.
وأضافت أن توفير إمدادات موثوقة من المنتجات الزراعية الأوكرانية يمكن أن يسهم في دعم الأمن الغذائي الأردني، في ظل اعتماد المملكة على الاستيراد لتلبية جانب مهم من احتياجاتها الغذائية.
ولفتت سفيرة أوكرانيا كذلك إلى وجود فرص لتنويع الصادرات الأوكرانية إلى الأردن، من خلال زيادة إمدادات الأغذية المصنّعة والحلويات ومنتجات الألبان وغيرها من السلع الزراعية، بما يتيح توسيع قاعدة التبادل التجاري وعدم حصرها في المنتجات الزراعية الأولية.
وفي المقابل، أكدت أن التعاون الاقتصادي لا يقتصر على الصادرات الأوكرانية، موضحة أن الأردن يمثل مورّداً مهماً للأسمدة المعدنية إلى أوكرانيا، وخاصة أسمدة البوتاس والأسمدة المركّبة التي يحتاج إليها القطاع الزراعي الأوكراني.
واعتبرت أن هذه العلاقة التجارية المتبادلة توفر فرصاً لتطوير مشاريع مشتركة في الإنتاج والاستثمار، إلى جانب تعزيز التواصل المباشر بين الشركات، والعمل على إزالة الحواجز التجارية واستكشاف إمكانات توسيع تحرير التجارة بين البلدين.
(فرص أردنية واعدة في سوق الطاقة الأوكرانية)
وفيما يتعلق بقطاع الطاقة، أكدت السفيرة ميروسلافا شيرباتيوك أن هذا المجال يتيح فرصاً مهمة للتعاون المستقبلي، خاصة في الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة والتكنولوجيا الحديثة، مشيرة إلى أن الأردن حقق تقدماً في تطوير مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، في حين تواصل أوكرانيا العمل على تحديث قطاع الطاقة وتعزيز استدامته رغم تداعيات الحرب.
وقالت إن تكامل الخبرات والإمكانات في البلدين يمكن أن يفتح المجال أمام مشاريع مشتركة واستثمارات وتبادل للمعرفة الفنية، بما يخدم المصالح الاقتصادية والتنموية للطرفين.
وأضافت أن أمن الطاقة وحماية البنية التحتية الحيوية يمثلان مجالاً مهماً آخر للتعاون، في ضوء الأضرار التي لحقت بمنشآت توليد الكهرباء وشبكات الطاقة الأوكرانية جراء الهجمات الروسية المتواصلة.
وأوضحت أن أوكرانيا اكتسبت خبرة عملية في حماية منشآت الطاقة وإصلاحها وصيانتها، وتطوير مصادر توليد الكهرباء اللامركزية، وتأمين الإمدادات في حالات الطوارئ، معتبرة أن هذه الخبرات يمكن أن تكون ذات قيمة للأردن ودول المنطقة في مواجهة التحديات الأمنية التي تستهدف البنية التحتية الحيوية.
وفي رسالة مباشرة إلى القطاع الخاص الأردني، دعت السفيرة ميروسلافا شيرباتيوك الشركات العاملة في تصنيع الألواح الشمسية ومكوناتها ومعداتها وتوريدها إلى دراسة الفرص المتاحة في السوق الأوكرانية.
وبيّنت أن الحاجة إلى حلول طاقة موثوقة ولامركزية تتزايد في أوكرانيا نتيجة الأضرار التي تتعرض لها البنية التحتية للطاقة، مشيرة إلى أن الألواح الشمسية والمحولات الكهربائية وأنظمة تخزين الطاقة والتقنيات المرتبطة بها يمكن أن تسهم في تعزيز قدرة المجتمعات المحلية والمستشفيات والمدارس والشركات على مواجهة انقطاعات الكهرباء.
وأعربت عن اعتقادها بأن دخول الشركات الأردنية إلى هذا المجال قد يتيح لها فرصاً تجارية واستثمارية، وفي الوقت نفسه الإسهام في جهود تعافي قطاع الطاقة الأوكراني.
كما أشارت إلى إمكانات التعاون في تطوير الشبكات الكهربائية الذكية، وتوليد الكهرباء بصورة لامركزية، وإجراء البحوث المشتركة وتبادل الخبرات بين القطاعين الخاصين في البلدين.
(السفيرة ميروسلافا شيرباتيوك : السلام العادل يجب أن يحفظ سيادة أوكرانيا)
وعلى صعيد جهود السلام، أكدت السفيرة أن أوكرانيا لم تبدأ الحرب، معتبرة أن العدوان الروسي الذي بدأ عام 2014 وتصاعد إلى غزو شامل في شباط 2022 شكّل انتهاكاً لسيادة بلادها وحدودها المعترف بها دولياً وللمبادئ الأساسية للقانون الدولي.
وأشارت إلى أن الجمعية العامة للأمم المتحدة أكدت مراراً سيادة أوكرانيا وسلامة أراضيها، وطالبت روسيا بسحب قواتها من الأراضي الأوكرانية، مضيفة أن بلادها لا تزال ملتزمة بالتوصل إلى سلام عادل وشامل ودائم.
وقالت إن أوكرانيا منفتحة على المساعي الدبلوماسية والمفاوضات، بما في ذلك الجهود التي تقودها الولايات المتحدة وشركاء دوليون آخرون، لكنها ترى أن العقبة الرئيسية أمام السلام تتمثل في استمرار روسيا في السعي إلى تحقيق أهدافها باستخدام القوة العسكرية.
وأضافت أن الهجمات الروسية على المدن والمناطق السكنية والبنية التحتية الحيوية للطاقة لا تزال مستمرة، معتبرة أن الجهود الدولية ينبغي أن تركز على زيادة الضغوط السياسية والدبلوماسية والاقتصادية على روسيا، وليس على أوكرانيا التي تدافع عن سيادتها وسلامة أراضيها.
وشددت السفيرة ميروسلافا شيرباتيوك على أن أي وقف لإطلاق النار ينبغي أن يكون حقيقياً ومتبادلاً وملزماً لجميع الأطراف، وأن يقوم أي اتفاق سلام دائم على احترام سيادة أوكرانيا وسلامة أراضيها ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، مؤكدة أن هدف بلادها لا يقتصر على وقف القتال مؤقتاً، بل يشمل منع تكرار العدوان مستقبلاً.
وفي هذا الإطار، ثمّنت سفيرة أوكرانيا الدور الذي تؤديه الدول العربية في دعم الجهود الدبلوماسية والإنسانية، معربة عن تقديرها لجهود المملكة العربية السعودية في تسهيل الاتصالات الدبلوماسية واستضافة مباحثات السلام، ولدور دولة الإمارات العربية المتحدة في الوساطة بشأن تبادل أسرى الحرب واستضافة المفاوضات، ولمساهمة دولة قطر في إعادة الأطفال الأوكرانيين الذين نقلتهم روسيا قسراً أو رحّلتهم من أوكرانيا.
كما رحبت بالدعم الأردني للحلول السلمية القائمة على القانون الدولي، معربة عن تطلع بلادها إلى تعزيز مشاركة المملكة في الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب.
(التصعيد في الشرق الأوسط يضغط على القدرات الدفاعية الدولية)
وفي معرض حديثها عن تأثير التصعيد العسكري في الشرق الأوسط على الاهتمام الدولي بالحرب الأوكرانية، قالت السفيرة ميروسلافا شيرباتيوك إن تعدد النزاعات المسلحة يفرض أعباء إضافية على المجتمع الدولي، ويزيد الضغوط على الموارد الدبلوماسية والإنسانية والعسكرية.
واستشهدت ببيانات اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي أشارت، وفق ما أوردته، إلى تسجيل نحو 130 نزاعاً مسلحاً حول العالم خلال عام 2024، معتبرة أن هذا الارتفاع يعكس اتساع التحديات التي تواجه السلم والأمن الدوليين.
وأكدت أن التطورات في الشرق الأوسط لا تعني أن المجتمع الدولي نسي الحرب في أوكرانيا، لكنها أشارت إلى أن تزامن النزاعات يؤثر بصورة عملية في توافر القدرات الدفاعية الحيوية، ولا سيما أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ الاعتراضية.
وأوضحت أن أوكرانيا طورت خبرات واسعة في التصدي للطائرات المسيّرة من طراز «شاهد» المصممة في إيران، إلا أن اعتراض الصواريخ الباليستية الروسية لا يزال يشكل تحدياً كبيراً، ويتطلب أنظمة متقدمة، مثل «باتريوت» و«سامب/تي»، وإمدادات مستمرة من الصواريخ الاعتراضية المتخصصة.
وأضافت سفيرة أوكرانيا أن التصعيد المرتبط بإيران أدى إلى زيادة الطلب العالمي على هذه الأنظمة والقدرات، ما يفرض ضغوطاً إضافية على طاقات الإنتاج والمخزونات المتاحة، ويثير مخاوف بشأن المنافسة على موارد الدفاع الجوي واحتمالات تأخر التسليمات.
وشددت على أن الأمن الدولي ينبغي ألا يُنظر إليه باعتباره منافسة بين مناطق العالم أو أزماتها، مؤكدة ضرورة التعامل مع التحديات الأمنية بصورة جماعية، بحيث لا تؤدي أزمة إلى إضعاف قدرة المجتمع الدولي على التعامل مع أزمة أخرى.
(الأمن الغذائي والتضامن الإنساني.. تجربة مشتركة بين الأردن وأوكرانيا)
وفي الجانب الإنساني، أشادت السفيرة ميروسلافا شيرباتيوك بدور الأردن في تسهيل وصول المساعدات الدولية إلى الشعب الفلسطيني، مشيرة إلى أن التعاون بين البلدين شمل نقل مساعدات غذائية أوكرانية إلى قطاع غزة في إطار مبادرة «الغذاء من أوكرانيا»، بالتعاون مع برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة والجهات المانحة الدولية.
وقالت إن شحنة من دقيق القمح الأوكراني بلغت ألف طن نُقلت عبر الأردن إلى غزة في تموز 2024، وأسهمت في توفير الخبز لنحو 100 ألف شخص لمدة شهر، فيما كانت هناك خطط لشحنات إضافية من دقيق القمح وزيت دوار الشمس ضمن برنامج مساعدات أوسع تجاوزت كميته 7 آلاف طن.
وأعربت عن تقدير أوكرانيا للدور الأردني بوصفه مركزاً لوجستياً إنسانياً يسهم في تسهيل إيصال المساعدات إلى السكان الفلسطينيين، مؤكدة أن التضامن الإنساني والأمن الغذائي يمثلان مجالين مهمين للتعاون بين البلدين، حتى في ظل الحروب والأزمات.
وأضافت أن الأردن يمتلك خبرة طويلة في استضافة اللاجئين الفلسطينيين، إلى جانب الأشخاص الذين نزحوا نتيجة النزاعات في سوريا والعراق، ما أكسب المملكة خبرات مهمة في الاستجابة للاحتياجات الإنسانية والاجتماعية والنفسية للفئات المتضررة من النزاعات.
واعتبرت أن هذه الخبرات يمكن أن تكون مفيدة لأوكرانيا، لا سيما في مجالات إعادة التأهيل النفسي، ودعم الأطفال والأسر المتضررة من الحرب، ومساعدة الفئات الأكثر ضعفاً، وإعادة الإدماج الاجتماعي.
(سفيرة أوكرانيا تكشف حجم الجالية الأوكرانية في الأردن)
وفي ما يتعلق بالجالية الأوكرانية في المملكة، قالت السفيرة ميروسلافا شيرباتيوك إن عدد أفرادها يُقدّر بنحو 5,500 شخص، وفق تقديرات سفارة أوكرانيا، موضحة أن جذور هذه الجالية تعود إلى ستينيات القرن الماضي، حين توجه طلبة أردنيون إلى الاتحاد السوفييتي، بما في ذلك أوكرانيا، لاستكمال دراستهم الجامعية.
وأضافت أن العلاقات التعليمية استمرت بعد استقلال أوكرانيا عام 1991، وأن عدداً من الطلبة الأردنيين الذين درسوا في الجامعات الأوكرانية أقاموا روابط عائلية واجتماعية مع المجتمع الأوكراني، وتزوجوا من نساء أوكرانيات، ثم استقروا مع أسرهم في الأردن.
وأشارت إلى أن الجالية تتكون بصورة رئيسية من نساء أوكرانيات متزوجات من أردنيين وأطفال هذه الأسر، مؤكدة أن هذه الروابط الإنسانية والثقافية أسهمت في تعزيز التفاهم المتبادل بين الشعبين، والحفاظ على اللغة والتقاليد والهوية الأوكرانية.
وبشأن اللاجئين الأوكرانيين، أوضحت ميروسلافا شيرباتيوك أن الأردن لا يستضيف حالياً جالية من اللاجئين الأوكرانيين بالمعنى المتعارف عليه، معربة عن امتنان بلادها للسلطات الأردنية التي سهّلت الدخول المؤقت للمواطنين الأوكرانيين الذين لديهم أقارب في المملكة عقب بدء الغزو الروسي الشامل في 24 شباط 2022، بما أتاح لهم العثور على الأمان ولمّ شمل أسرهم خلال الفترة الأولى من الحرب.
(دعوة إلى استضافة أطفال أوكرانيين متضررين من الحرب)
وفي واحدة من أبرز الرسائل الإنسانية التي تضمنتها المقابلة، أعربت السفيرة ميروسلافا شيرباتيوك عن أملها في أن يدرس الأردن إمكانية استضافة أطفال أوكرانيين تضرروا من الحرب، ضمن برامج قصيرة الأمد للراحة والترفيه وإعادة التأهيل.
وأوضحت أن الأطفال الذين عاشوا لسنوات تحت التهديد المستمر للصواريخ والطائرات المسيّرة يحتاجون إلى بيئات آمنة تساعدهم على استعادة التوازن النفسي والجسدي، معتبرة أن إتاحة الفرصة لهم لقضاء بضعة أسابيع في أجواء هادئة بعيداً عن أهوال الحرب يمكن أن تترك أثراً إيجابياً كبيراً في صحتهم ورفاههم.
وأشارت إلى إمكانية تنظيم مثل هذه المبادرات بالتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني الأردنية والجمعيات الخيرية، بما يشكّل تعبيراً عملياً عن التضامن الإنساني بين الشعبين.
وفي المقابل، أكدت سفيرة أوكرانيا أن مؤسسات المجتمع المدني الأوكرانية اكتسبت خبرة واسعة في العمل التطوعي والاستجابة للطوارئ خلال الحرب، وهي خبرة يمكن تبادلها مع المؤسسات الأردنية بما يعزز قدرات الطرفين في مجالات الاستجابة الإنسانية وإدارة الأزمات.
كما دعت إلى توسيع التعاون المباشر بين المنظمات غير الحكومية والجامعات والمؤسسات التطوعية والثقافية في البلدين، من خلال مشاريع إنسانية مشتركة وبرامج للتبادل التعليمي ومبادرات ثقافية واتصالات مهنية مستدامة.
(نحو شراكة تتجاوز الدبلوماسية التقليدية)
واختتمت السفيرة بالتأكيد على أن العلاقات الأردنية الأوكرانية تمتلك مقومات مهمة للانتقال إلى مرحلة أكثر اتساعاً وتنوعاً، تقوم على الجمع بين الحوار السياسي والتعاون الأمني والتبادل التجاري والاستثمار والعمل الإنساني والثقافي.
وترى ميروسلافا شيرباتيوك أن الخبرة الأوكرانية في مواجهة التهديدات الجوية وحماية البنية التحتية، إلى جانب الإمكانات الأردنية في الطاقة المتجددة والخدمات اللوجستية والعمل الإنساني، يمكن أن تفتح مجالات جديدة للتعاون، شريطة مواصلة المشاورات وتحويل فرص التعاون المطروحة إلى برامج ومشاريع عملية.
وبين الأمن والدفاع، والقمح والزيوت النباتية، والطاقة المتجددة، والتضامن الإنساني، تبدو العلاقات بين الأردن وأوكرانيا أمام مساحة واسعة لتطوير شراكة تخدم مصالح البلدين، وتعزز التواصل بين الشعبين، وتستجيب للتحديات المتزايدة التي تواجه المنطقة والعالم.
النص الكامل للمقابلة الصحفية الحصرية لموقع جوهرة العرب الإخباري مع سفيرة أوكرانيا في الأردن السيدة ميروسلافا ششيرباتيوك، حول العلاقات الأردنية الأوكرانية وآفاق التعاون السياسي والأمني والاقتصادي والإنساني، والوضع في أوكرانيا.
السؤال الأول: كيف تصفون العلاقات الأردنية الأوكرانية اليوم؟ وماذا أضافت زيارة الرئيس فولوديمير زيلينسكي إلى الأردن في 29 آذار إلى العلاقات الثنائية؟ وهل أسفرت الزيارة عن نتائج في مجالات الأمن والدفاع والأمن الغذائي؟
الجواب: أصف العلاقات الأوكرانية الأردنية بأنها علاقات ودية تقليدية، تقوم على الاحترام المتبادل والحوار البنّاء والالتزام المشترك بالمبادئ الأساسية للقانون الدولي. وفي الوقت نفسه، أرى أن العلاقات الثنائية ينبغي النظر إليها من خلال مرحلتين مختلفتين: مرحلة ما قبل الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في شباط 2022، ومرحلة ما بعده. فقد غيّرت الحرب البيئة الأمنية بصورة جوهرية، ليس في أوروبا فحسب، بل على مستوى العالم، وأوجدت تحديات وأولويات جديدة في شراكاتنا الدولية. وفي هذا السياق، تثمّن أوكرانيا بعمق الدعم الأردني المستمر والمبدئي لسيادتها وسلامة أراضيها. فهذه مبادئ أساسية في ميثاق الأمم المتحدة، وهي بالقدر نفسه من الأهمية لأوكرانيا والأردن ولكل دولة ذات سيادة.
ولقد شكّلت زيارة الرئيس فولوديمير زيلينسكي إلى الأردن في 29 آذار2026 محطة مهمة في الحوار الثنائي بين البلدين. وجاءت الزيارة في ظل تصعيد خطير في منطقة الشرق الأوسط، حين كان الأردن ودول أخرى في المنطقة يواجهون هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية. وكانت الزيارة جزءاً من تحرك دبلوماسي أوسع للرئيس شمل عدداً من دول المنطقة، وعكست تضامن أوكرانيا مع شعوبها في مرحلة بالغة الصعوبة. فأوكرانيا تدرك هذه التهديدات جيداً؛ إذ تتعرض مدننا وسكاننا المدنيون وبنيتنا التحتية الحيوية، منذ سنوات، لهجمات روسية تستخدم طائرات مسيّرة وأسلحة أخرى مصممة في إيران. ومن هذا المنطلق، تواجه أوكرانيا ودول الشرق الأوسط تحديات أمنية مشتركة في بعض جوانبها.
لذلك، انصبّ المحور الرئيسي للقاء الرئيس زيلينسكي وجلالة الملك عبدالله الثاني على التعاون الأمني وإمكانية تطوير شراكة عملية في هذا المجال. فقد راكمت أوكرانيا خبرة واسعة في التصدي للهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ، وتطوير تقنيات دفاعية مبتكرة، وإنشاء أنظمة متكاملة لحماية السكان المدنيين والبنية التحتية الحيوية. وأعربنا عن استعدادنا لتبادل هذه الخبرات والمعارف والحلول التكنولوجية مع الأردن وشركائنا الآخرين في المنطقة. ونؤمن بأن هذا التعاون ينبغي أن يحقق منافع متبادلة، وأن يسهم في تعزيز أمن بلدينا وقدرتهما على الصمود.
وقد أرست المباحثات بين قائدي البلدين أساساً مهماً لمزيد من التعاون. ويعمل الجانبان حالياً على تحويل التفاهمات والرؤية المشتركة التي عبّرت عنها الزيارة إلى تعاون عملي. ومن الطبيعي أن يتطلب التعاون الأمني والدفاعي مشاورات تفصيلية وتنسيقاً بين المؤسسات المعنية ودراسة دقيقة لاحتياجات البلدين وإمكاناتهما. والأهم أننا نرى فرصاً للانتقال من الحوار الدبلوماسي التقليدي إلى شراكة أكثر عملية واستشرافاً للمستقبل.
ويظل الأمن الغذائي بُعداً مهماً آخر في علاقاتنا. فقد كانت أوكرانيا تقليدياً إحدى الدول الزراعية المصدّرة الكبرى في العالم، وإحدى الجهات المهمة المساهمة في الأمن الغذائي في الشرق الأوسط وخارجه. وقد أدت الهجمات الروسية المستمرة على الموانئ الأوكرانية والمنشآت الزراعية والبنية التحتية للنقل إلى اضطرابات خطيرة في سلاسل الإمداد القائمة، وخلقت مخاطر إضافية للأسواق الغذائية الدولية. ومع ذلك، تواصل أوكرانيا بذل كل جهد ممكن للحفاظ على صادراتها الزراعية، بما في ذلك عبر الممر البحري ومسارات النقل البديلة. وما زلنا مهتمين بتطوير التجارة الزراعية مع الأردن والإسهام في تعزيز أمن المملكة الغذائي على المدى الطويل.
وفي هذا السياق، أود أن أؤكد على وجه الخصوص أنه على الرغم من العواقب المدمرة للعدوان الروسي، تواصل أوكرانيا تقديم المساعدات الغذائية الإنسانية إلى السكان المتضررين من النزاعات في مناطق أخرى من العالم. ومن الأمثلة المهمة على تعاوننا مع الأردن إيصال مساعدات غذائية أوكرانية إلى الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، في إطار مبادرة الرئيس زيلينسكي (الغذاء من أوكرانيا)، التي نُفذت بالتعاون مع برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة والجهات المانحة الدولية.
ففي تموز 2024، نُقلت شحنة تضم ألف طن من دقيق القمح الأوكراني عبر الأردن إلى قطاع غزة، وأسهمت في توفير الخبز لنحو 100 ألف شخص لمدة شهر. كما كان من المقرر تنفيذ شحنات إضافية من دقيق القمح وزيت دوار الشمس ضمن برنامج أوسع للمساعدات الإنسانية تجاوزت كميته 7 آلاف طن. وقد اضطلع الأردن بدور مهم بوصفه مركزاً لوجستياً إنسانياً، إذ سهّل نقل المساعدات الدولية إلى السكان الفلسطينيين. ونحن نثمّن عالياً مساهمة المملكة في هذه الجهود الإنسانية والتزامها بتخفيف معاناة المدنيين.
وبالنسبة إلى أوكرانيا، يحمل هذا التعاون رسالة بالغة الأهمية، مفادها أننا، حتى ونحن ندافع عن بلدنا في مواجهة حرب عدوانية وحشية، نظل ملتزمين بمساعدة الآخرين الذين يواجهون الجوع والنزوح وتداعيات النزاعات المسلحة. ونؤمن بأن الأمن الغذائي والتضامن الإنساني ينبغي أن يكونا عاملين لتوحيد الدول، بصرف النظر عن الجغرافيا. ويشكّل هذا الالتزام المشترك، إلى جانب روابطنا الاقتصادية التقليدية والتعاون الأمني الناشئ، أساساً متيناً لمرحلة جديدة في العلاقات الأوكرانية الأردنية.
السؤال الثاني: ما أهم القطاعات التي تسعى أوكرانيا إلى استكشاف فرص التعاون التجاري المستقبلي فيها مع الأردن، ولا سيما في مجال الأمن الغذائي، بما يشمل القمح والشعير والزيوت النباتية؟
الجواب: شكّل التعاون التجاري والاقتصادي تقليدياً عنصراً مهماً في العلاقات الأوكرانية الأردنية، مع احتلال الزراعة والأمن الغذائي مكانة بارزة في هذا المجال. وعلى الرغم من التحديات الناجمة عن الغزو الروسي الشامل، فإن تجارتنا الثنائية تواصل التطور. ففي عام 2025، بلغت قيمة تجارة السلع بين أوكرانيا والأردن نحو 179 مليون دولار أمريكي. وخلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، تجاوزت 209 ملايين دولار، بزيادة قدرها 17% مقارنة بإجمالي العام السابق. وتُظهر هذه الأرقام الإمكانات الكبيرة لشراكتنا الاقتصادية، حتى في ظل الظروف البالغة الصعوبة.
وتشكّل المنتجات الزراعية الجزء الأكبر من الصادرات الأوكرانية إلى الأردن. وتستحوذ الزيوت النباتية، ولا سيما زيت دوار الشمس، على الحصة الأكبر من هذه الصادرات. وخلال الفترة من كانون الثاني إلى تموز 2026، شكّلت زيوت دوار الشمس والقرطم وبذور القطن نحو74% من إجمالي الصادرات الأوكرانية إلى الأردن، فيما بلغت حصة زيت فول الصويا 5.3% إضافية.
وتاريخياً، زوّدت أوكرانيا الأردن أيضاً بالقمح والشعير والذرة وغيرها من السلع الزراعية.غير أن هيكل صادراتنا شهد تغيرات كبيرة نتيجة العدوان الروسي. فقد أدت الهجمات الروسية على الموانئ الأوكرانية والبنية التحتية البحرية وطرق النقل إلى اضطراب سلاسل الإمداد التقليدية بصورة خطيرة، وارتفاع تكاليف النقل، وتراجع قدرتنا على تصدير المنتجات الزراعية، ولا سيما الحبوب، إلى الأسواق الدولية.
لذلك، تتمثل إحدى أولوياتنا المباشرة في استعادة صادراتنا الزراعية التقليدية إلى الأردن وتوسيعها، وخاصة القمح والشعير والذرة. وما زالت أوكرانيا مهتمة بالمشاركة في العطاءات الحكومية الأردنية لشراء الحبوب، بما في ذلك العطاءات الهادفة إلى الحفاظ على المخزون الاستراتيجي الغذائي للمملكة. ونظراً إلى اعتماد الأردن الكبير على استيراد المواد الغذائية، نعتقد أن توفير إمدادات أوكرانية موثوقة من المنتجات الزراعية يمكن أن يسهم إسهاماً مهماً في تعزيز أمن المملكة الغذائي على المدى الطويل. وفي الوقت نفسه، نرى فرصاً لتنويع صادراتنا من خلال زيادة إمدادات الأغذية المصنّعة والحلويات ومنتجات الألبان وغيرها من السلع الزراعية.
ومن المهم التأكيد أن تعاوننا الاقتصادي لا يقتصر على الصادرات الأوكرانية. فالأردن يُعدّ مورّداً مهماً للأسمدة المعدنية إلى أوكرانيا، وخاصة أسمدة البوتاس والأسمدة المركّبة الضرورية لقطاعنا الزراعي. وهذا يتيح فرصاً ليس فقط لتوسيع التجارة، بل أيضاً لتطوير مشاريع مشتركة في الإنتاج والاستثمار.
كما نهتم بتعزيز التواصل المباشر بين الشركات، وإزالة الحواجز التجارية القائمة، واستكشاف إمكانات تحرير التجارة بصورة أكبر. وهدفنا هو بناء شراكة اقتصادية أكثر تنوعاً واستدامة وتحقيقاً للمنافع المتبادلة، بما يسهم في تنمية البلدين وتعزيز أمنهما الغذائي.
السؤال الثالث: هل توجد فرص للتعاون بين الأردن وأوكرانيا في قطاع الطاقة؟
الجواب: أعتقد أن قطاع الطاقة يتيح إمكانات كبيرة للتعاون المستقبلي بين أوكرانيا والأردن، ولا سيما في مجالات الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة والتقنيات الحديثة. فكلا البلدين مهتمان بتعزيز استقلالهما في مجال الطاقة وتنويع مصادرها. وقد أحرز الأردن تقدماً ملموساً في تطوير الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، بينما تواصل أوكرانيا، رغم الحرب المستمرة، العمل على تحديث قطاع الطاقة والتحول نحو نظام طاقة أكثر استدامة. ويمكن لهذه الخبرات المتكاملة أن تشكّل أساساً متيناً للمشاريع المشتركة والتعاون التكنولوجي والاستثمار.
وثمة مجال آخر واعد للغاية يتمثل في أمن الطاقة وحماية البنية التحتية الحيوية. فمنذ أكثر من أربع سنوات، يتعرض نظام الطاقة الأوكراني لهجمات روسية ممنهجة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، تسببت في دمار واسع لمنشآت توليد الطاقة وشبكات الكهرباء. وفي ظل هذه الظروف الاستثنائية، اكتسبت أوكرانيا خبرة عملية فريدة في حماية البنية التحتية للطاقة وإصلاحها وصيانتها، وتطوير مصادر توليد الكهرباء اللامركزية، وضمان إمدادات الكهرباء في حالات الطوارئ. ونعتقد أن هذه الخبرة يمكن أن تكون مفيدة أيضاً للأردن ودول أخرى في المنطقة، ولا سيما في ضوء التحديات الأمنية المتزايدة في الشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، أود أن أشجع الشركات الأردنية العاملة في تصنيع الألواح الشمسية ومكوّناتها ومعداتها وتوريدها على استكشاف الفرص المتاحة في السوق الأوكرانية. ففي ضوء الواقع الراهن في أوكرانيا، حيث تواصل الهجمات الروسية إلحاق الأضرار بالبنية التحتية للطاقة وتعطيل إمدادات الكهرباء، تبرز حاجة ملحّة إلى حلول طاقة موثوقة ولامركزية.
ويمكن للألواح الشمسية والمحولات الكهربائية وأنظمة تخزين الطاقة وغيرها من التقنيات المرتبطة بها أن تؤدي دوراً مهماً في تعزيز قدرة المجتمعات المحلية والمستشفيات والمدارس والشركات في أوكرانيا على الصمود في مجال الطاقة. وأعتقد أن ذلك يمثل فرصة واعدة أمام المصنّعين والمورّدين الأردنيين للإسهام في تعافي قطاع الطاقة الأوكراني، وفي الوقت نفسه تطوير شراكات تجارية تحقق المنافع المتبادلة.
ونتطلع مستقبلاً إلى توسيع نطاق التعاون بين الشركات الأوكرانية والأردنية ليشمل الطاقة المتجددة والشبكات الكهربائية الذكية وتوليد الكهرباء بصورة لامركزية. ويمكن للبحوث المشتركة وتبادل الخبرات والشراكات بين القطاع الخاص في البلدين أن تسهم في تطوير أنظمة طاقة أكثر كفاءة وقدرة على الصمود. وأنا على قناعة بأن التعاون في مجال الطاقة يمكن أن يصبح بُعداً مهماً آخر في علاقاتنا الثنائية، بما يحقق فوائد ملموسة لكلا البلدين.
السؤال الرابع: إلى أين وصلت جهود السلام في أوكرانيا؟ وهل توجد إمكانية لإجراء مفاوضات مع روسيا في المستقبل القريب؟ وهل ترحّب أوكرانيا بالجهود الأردنية والعربية الأوسع، بما فيها جهود المملكة العربية السعودية، للوساطة من أجل وقف إطلاق النار وإجراء مفاوضات سلام؟
الجواب: بادئ ذي بدء، يجب أن نكون واضحين تماماً بشأن حقيقة أساسية، وهي أن أوكرانيا لم تبدأ هذه الحرب. فقد شنّت روسيا عدوانها على أوكرانيا غير المبرر وغير المستفَز (أي بدون استفزاز من أوكرانيا) عام 2014، ثم صعّدته (روسيا) إلى غزو شامل في شباط 2022، في انتهاك للحدود المعترف بها دولياً لأوكرانيا، والاتفاقيات الثنائية، والمبادئ الأساسية للقانون الدولي.
وقد أكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة مراراً سيادة أوكرانيا وسلامة أراضيها، وطالبت روسيا بسحب قواتها من الأراضي الأوكرانية. وظلت أوكرانيا تدعو باستمرار إلى التسوية السلمية للنزاعات، ولا تزال ملتزمة التزاماً كاملاً بتحقيق سلام عادل وشامل ودائم. فلا توجد دولة ترغب في السلام أكثر من أوكرانيا، التي يعاني شعبها من هذا العدوان منذ أكثر من اثني عشر عاماً.
ولا تزال أوكرانيا منفتحة على الجهود الدبلوماسية والمفاوضات، بما في ذلك تلك التي تجري بوساطة الولايات المتحدة وشركاء دوليين آخرين. غير أن العقبة الرئيسية أمام السلام ليست عدم رغبة أوكرانيا في التفاوض، بل استمرار إصرار روسيا على تحقيق أهدافها باستخدام القوة العسكرية.
وعلى الرغم من ادعاءاتها (روسيا) تحقيق نجاحات عسكرية، أخفقت روسيا في تحقيق أهدافها الاستراتيجية الأصلية، في حين تمكنت أوكرانيا من تحرير مساحات واسعة من الأراضي التي احتُلت منذ عام 2022، وبعد عجزها عن كسر المقاومة الأوكرانية، تواصل روسيا هجماتها الممنهجة على المدن المدنية والمناطق السكنية والبنية التحتية الحيوية للطاقة.
وحتى المبادرات الأخيرة المتعلقة بوقف الهجمات على منشآت الطاقة أعقبتها ضربات روسية جديدة. لذلك، نؤمن إيماناً راسخاً بأن الجهود الدولية ينبغي أن تركز على زيادة الضغوط السياسية والدبلوماسية والاقتصادية على روسيا، وليس على أوكرانيا التي تدافع عن سيادتها وسلامة أراضيها وحق شعبها في العيش بسلام.
فالرئيس فلاديمير بوتين هو من بدأ هذه الحرب، وهو من يمتلك القدرة على إنهاء العدوان الروسي. وعلى المجتمع الدولي أن يوجّه ضغوطه نحو المعتدي، لا نحو ضحية العدوان.
ونثمّن عالياً الدور البنّاء الذي تؤديه الدول العربية في دعم الجهود الدبلوماسية والإنسانية. ونعبّر عن امتناننا بشكل خاص إلى المملكة العربية السعودية لتسهيلها الاتصالات الدبلوماسية وتوفيرها منصة لمباحثات السلام، وإلى دولة الإمارات العربية المتحدة لدورها القيّم في الوساطة بشأن تبادل أسرى الحرب واستضافتها المفاوضات، وإلى دولة قطر لمساهمتها المهمة في إعادة الأطفال الأوكرانيين الذين نقلتهم روسيا قسراً أو رحّلتهم من أوكرانيا.
كما نرحّب بدعم الأردن للحلول السلمية القائمة على القانون الدولي، ونتطلع إلى تعزيز مشاركته في هذه الجهود. وأوكرانيا مستعدة للعمل مع جميع الشركاء الملتزمين بصدق بإنهاء هذه الحرب.
ومع ذلك، يجب أن يكون أي وقف لإطلاق النار حقيقياً ومتبادلاً وملزماً لجميع الأطراف، كما يجب أن يقوم أي سلام دائم على احترام سيادة أوكرانيا وسلامة أراضيها ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة. فهدفنا لا يقتصر على وقف القتال مؤقتاً، بل يتمثل في ضمان عدم تكرار العدوان مستقبلاً.
السؤال الخامس: هل أثّرت الحرب التي تشنها الولايات المتحدة ضد النظام الإيراني في مستوى الاهتمام الدولي الموجّه إلى الحرب في أوكرانيا؟
الجواب: إن كل نزاع مسلح جديد يجلب معه معاناة إنسانية هائلة، ومزيداً من عدم الاستقرار، وتحديات إضافية للسلم والأمن الدوليين. . وللأسف، نشهد ارتفاعاً مقلقاً في عدد النزاعات حول العالم. ووفقاً للجنة الدولية للصليب الأحمر، سُجّل نحو 130 نزاعاً مسلحاً على مستوى العالم في عام 2024، أي أكثر من ضعف العدد المسجّل قبل خمسة عشر عاماً.
وتفرض كل أزمة جديدة ضغوطاً إضافية على المجتمع الدولي، وتستنزف الجهود الدبلوماسية وموارد المساعدات الإنسانية والإمكانات العسكرية. ومع ذلك، لا أقول إن التصعيد في الشرق الأوسط أدى إلى نسيان المجتمع الدولي للعدوان الروسي على أوكرانيا. فما تزال الحرب في أوكرانيا تمثل تحدياً رئيسياً للأمن الأوروبي والعالمي، وتتجاوز تداعياتها حدود بلادنا بكثير.
وما يثير قلقنا الأكبر هو التأثير العملي لتزامن النزاعات في توافر القدرات الدفاعية الحيوية. فقد طوّرت أوكرانيا خبرات وحلولاً تكنولوجية كبيرة للتصدي للطائرات المسيّرة من طراز (شاهد) المصممة في إيران، وغيرها من التهديدات التي تشكّلها الأنظمة الجوية غير المأهولة. لكن اعتراض الصواريخ الباليستية الروسية لا يزال أحد أخطر التحديات التي نواجهها.
ويتطلب التصدي لهذه الصواريخ أنظمة دفاع جوي متطورة، ولا سيما منظومتي (باترويت) و (سامب / تي)، إلى جانب إمدادات متواصلة من الصواريخ الاعتراضية المتخصصة للغاية.
وقد أدى التصعيد العسكري المرتبط بإيران إلى زيادة كبيرة في الطلب العالمي على هذه القدرات نفسها، ما فرض ضغوطاً إضافية على طاقات الإنتاج المحدودة أصلاً والمخزونات المتاحة. ونتيجة لذلك، أصبح التنافس على موارد الدفاع الجوي واحتمال تأخر عمليات التسليم مصدرَي قلق بالغين لأوكرانيا، خصوصاً في الوقت الذي تواصل فيه روسيا هجماتها على مدننا وبنيتنا التحتية للطاقة.
وفي الوقت نفسه، تُظهر التطورات في الشرق الأوسط مدى الترابط الوثيق بين التحديات الأمنية الدولية. فالطائرات المسيّرة المصممة في إيران، والتي استخدمتها روسيا على نطاق واسع ضد المدن الأوكرانية، باتت تشكّل تهديداً لدول المنطقة أيضاً.
وأوكرانيا مستعدة لتبادل خبرتها العملياتية الفريدة ومعارفها التكنولوجية في التصدي لهذه التهديدات. ونؤمن بأنه لا ينبغي النظر إلى الأمن الدولي باعتباره منافسة بين مناطق العالم المختلفة أو بين النزاعات القائمة فيها. فدعم قدرة أوكرانيا على الدفاع عن سكانها وبنيتها التحتية الحيوية يظل أمراً أساسياً، تماماً كما أن الجهود الرامية إلى استعادة السلام والاستقرار في الشرق الأوسط لا تقل أهمية.
ويتعين على المجتمع الدولي التعامل مع هذه التحديات بصورة جماعية، دون السماح لأزمة واحدة بإضعاف قدرته على مواجهة أزمة أخرى.
السؤال السادس: إلى أي مدى يمكن للأردن والدول العربية الأخرى الاستفادة من الخبرة الأوكرانية في التصدي للطائرات المسيّرة؟ وما واقع التعاون المحتمل في هذا المجال؟
الجواب: كان هذا الموضوع بالفعل أحد المحاور الرئيسية التي نوقشت خلال لقاء الرئيس فولوديمير زيلينسكي مع جلالة الملك عبدالله الثاني في 29 آذار 2026، وكذلك خلال زيارات الرئيس إلى المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ودولة قطر.
وقد أعربت أوكرانيا عن استعدادها لتبادل خبراتها العملية الواسعة في التصدي للتهديدات التي تشكّلها الطائرات المسيّرة، واستكشاف فرص إقامة تعاون أمني طويل الأمد مع دول المنطقة.
إن الاستخدام المتزايد للطائرات المسيّرة في الحروب الحديثة، بما في ذلك استخدامها من قبل الجماعات المسلحة من غير الدول، قد غيّر البيئة الأمنية في الشرق الأوسط بصورة جوهرية، وأوجد تحديات جديدة أمام حماية السكان المدنيين والبنية التحتية الحيوية.
واليوم، تستطيع دول عديدة تصنيع أنواع مختلفة من الطائرات المسيّرة وتطويرها، بما في ذلك الطائرات الرباعية المراوح منخفضة التكلفة نسبياً، والأنظمة الجوية غير المأهولة الأكثر تطورا. غير أن المساهمة الأوكرانية الفريدة لا تكمن فقط في تصنيع الطائرات المسيّرة أو تطوير تقنيات اعتراض منفردة، بل في بناء منظومة متكاملة للدفاع المضاد للطائرات المسيّرة.
وتشمل هذه المنظومة الحماية متعددة الطبقات، وأنظمة الرادار وغيرها من تقنيات الكشف، والبرمجيات المتقدمة، وقدرات الحرب الإلكترونية، والطائرات المسيّرة الاعتراضية، والتنسيق الفوري بين مختلف مكونات شبكة الدفاع. ولا تعتمد فعالية هذه المنظومة على التقنيات المستخدمة وحدها، بل أيضاً على سرعة معالجة المعلومات واتخاذ القرارات العملياتية.
وقد أثبتت تجربة الحرب في أوكرانيا أن إجراءات القيادة العسكرية التقليدية غالباً ما تكون بطيئة أكثر من اللازم في الاستجابة الفعالة للتهديدات الحديثة التي تمثلها الطائرات المسيّرة. فعندما تُكتشف طائرة مسيّرة معادية، قد لا يتبقى سوى بضع ثوانٍ لتحديد هويتها وتعقّبها والتعامل معها قبل ضياع فرصة اعتراضها.
ولهذا، طوّرت أوكرانيا أساليب أكثر مرونة وتكاملاً، من شأنها تقليص الوقت الفاصل بين اكتشاف التهديد والاستجابة له بصورة ملموسة، مع الحفاظ على السيطرة العملياتية اللازمة.
وتُعد القدرة على الجمع بين التكنولوجيا والوعي الميداني وسرعة اتخاذ القرار إحدى أكثر جوانب الخبرة الأوكرانية قيمة. وما تستطيع أوكرانيا تقديمه لشركائها لا يقتصر على المعدات، بل يشمل المساعدة في تطوير بنية دفاعية متكاملة ومستدامة لمواجهة الطائرات المسيّرة، وفقاً لاحتياجات كل دولة.
ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في الشرق الأوسط، حيث يشكّل انتشار الأنظمة الجوية غير المأهولة بين الجماعات المسلحة التي تعمل خارج سيطرة الدول تهديداً أمنياً متزايد الخطورة.
وتزوّد إيران جهات مسلحة من غير الدول بتقنيات الطائرات المسيّرة والأسلحة، كما أسهمت روسيا أيضاً في انتشار القدرات العسكرية المرتبطة بهذه الطائرات. ومما يثير القلق بوجه خاص التقارير التي تتحدث عن تورط إيراني وروسي في تدريب مشغّلي الطائرات المسيّرة المرتبطين بجماعات مسلحة من غير الدول في المنطقة.
ولا تقتصر مخاطر هذه الأنشطة على تعزيز القدرات العسكرية لتلك الجماعات، بل تمتد لتشمل تهديد الاستقرار الإقليمي والسيادة الوطنية وأمن المدنيين. وأوكرانيا تدرك هذه التحديات من خلال تجربتها المباشرة في مواجهة الطائرات المسيّرة المصممة في إيران، والتي تستخدمها روسيا ضد مدننا.
ونعتقد أن هناك إمكانات كبيرة للتعاون العملي مع الأردن وشركائنا الآخرين في المنطقة، بما يشمل تبادل التقنيات، والمشاورات بين الخبراء، والتدريب، وتطوير حلول دفاعية متكاملة تتلاءم مع الاحتياجات الخاصة لكل دولة.
ولا تزال المناقشات بشأن الأشكال المحتملة لهذا التعاون جارية، ونأمل أن تفضي إلى نتائج ملموسة تحقق المنفعة المتبادلة، وتعزز الأمن الإقليمي، وتحمي أرواح المدنيين.
السؤال السابع: هل توجد جالية أوكرانية في الأردن؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما حجمها التقريبي؟ وهل تضم هذه الجالية لاجئين أوكرانيين؟
الجواب: يستضيف الأردن جالية أوكرانية راسخة، يُقدّر عدد أفرادها، وفقاً لتقديرات سفارة أوكرانيا، بنحو 5,500 شخص.
ويعود تاريخ هذه الجالية إلى ستينيات القرن الماضي، عندما سافر العديد من الطلبة الأردنيين إلى الاتحاد السوفييتي، بما في ذلك أوكرانيا، لمتابعة تعليمهم العالي. وبعد استقلال أوكرانيا عام 1991، استمر هذا التعاون التعليمي، واختارت أجيال جديدة من الطلبة الأردنيين الالتحاق بالجامعات الأوكرانية.
وقد أقام كثير من هؤلاء الطلبة روابط شخصية دائمة مع أوكرانيا، وتزوجوا من نساء أوكرانيات، ثم استقروا مع أسرهم في الأردن.
ونتيجة لذلك، تتألف الجالية الأوكرانية في الأردن بصورة رئيسية من نساء أوكرانيات متزوجات من مواطنين أردنيين، وأطفال من هذه الزيجات المختلطة.
وعلى مدى عقود، أصبحت هذه الأسر جسراً إنسانياً وثقافياً مهماً بين البلدين، وأسهمت في تعزيز التفاهم المتبادل والحفاظ على الروابط الوثيقة مع أوكرانيا. وعلى الرغم من ابتعاد أفراد الجالية عن وطنهم، فإن كثيرين منهم يواصلون الحفاظ على التقاليد واللغة والهوية الثقافية الأوكرانية.
أما فيما يتعلق باللاجئين الأوكرانيين، فلا يستضيف الأردن حالياً جالية من اللاجئين الأوكرانيين بالمعنى المتعارف عليه.
ونحن ممتنون بصورة خاصة للسلطات الأردنية لتفهمها ونهجها الإنساني عقب بدء الغزو الروسي الشامل في 24 شباط 2022، ففي تلك المرحلة البالغة الصعوبة، سهّل الأردن الدخول المؤقت للمواطنين الأوكرانيين الذين لديهم أقارب في المملكة، ما أتاح لهم العثور على الأمان ولمّ شمل أسرهم والتعافي من الصدمة التي خلّفتها الأسابيع والأشهر الأولى من الحرب.
وكانت هذه الزيارات زيارات عائلية مؤقتة، وليست موجات وصول منظمة للاجئين، كما أن الأشخاص المعنيين لم يحصلوا على صفة لاجئ أو برامج مساعدة خاصة.
ونحن نقدّر بصدق هذه اللفتة التضامنية من الأردن خلال واحدة من أصعب الفترات في التاريخ الحديث لبلادنا.
السؤال الثامن: ما الذي يمكن أن يقدمه الشعب الأردني، ولا سيما مؤسسات المجتمع المدني الأردنية، لنظرائه الأوكرانيين في المجالات الإنسانية والاجتماعية والتطوعية والثقافية وغيرها؟
الجواب: أعتقد أن تعزيز التفاهم المتبادل بين مجتمعينا يمثل أحد أهم مجالات التعاون. فمن الضروري بالنسبة إلى أوكرانيا أن يحصل الرأي العام الأردني على معلومات دقيقة حول العدوان الروسي، الذي لا يحظى أحياناً بالتغطية الكافية أو يُعرض من خلال روايات مشوّهة.
وفي المقابل، ينبغي للأوكرانيين أن يكون لديهم فهم أعمق للتحديات الإنسانية التي يواجهها الأردن والشرق الأوسط عموماً، ولا سيما القضية الفلسطينية ومعاناة السكان المدنيين المتضررين من النزاعات الإقليمية.
ويمكن لمؤسسات المجتمع المدني والصحفيين والجامعات والمؤسسات الثقافية أن تؤدي دوراً مهماً في إيجاد فرص للحوار الصادق، وتبادل وجهات النظر، وتعزيز الفهم الأفضل للواقع الذي يعيشه كل من المجتمعين.
ويمتلك الأردن خبرة إنسانية قيّمة على نحو خاص، فقد استضاف أجيالاً من اللاجئين الفلسطينيين، إلى جانب أعداد كبيرة من الأشخاص الذين اضطروا إلى النزوح بسبب النزاعات في سوريا والعراق.
وعلى مدى عقود، طوّرت المملكة خبرات واسعة في تلبية احتياجات السكان النازحين، بما في ذلك من خلال التعاون مع المنظمات الدولية والدول المانحة. ويمكن أن تكون هذه الخبرة ذات أهمية كبيرة لأوكرانيا، خاصة في مجالات إعادة التأهيل النفسي، ودعم الأطفال والأسر المتضررة من الحرب، ومساعدة الفئات الأكثر ضعفاً، وإعادة الإدماج الاجتماعي.
وفي هذا السياق، ستكون أوكرانيا ممتنة للغاية إذا درس الأردن إمكانية استضافة أطفال أوكرانيين متضررين من العدوان الروسي، ضمن برامج قصيرة الأمد للراحة والترفيه وإعادة التأهيل.
فبالنسبة إلى الأطفال الذين أمضوا سنوات وهم يعيشون تحت التهديد المستمر لهجمات الصواريخ والطائرات المسيّرة، يمكن أن يشكّل قضاء بضعة أسابيع، ولو لفترة قصيرة، في بيئة آمنة وهادئة بعيداً عن أهوال الحرب، فارقاً كبيراً في صحتهم الجسدية والنفسية.
ويمكن تنظيم مثل هذه المبادرات بالتعاون مع مؤسسات المجتمع المدني الأردنية والجمعيات الخيرية، لتكون تعبيراً إنسانياً عميقاً عن التضامن مع الشعب الأوكراني.
وفي الوقت نفسه، اكتسبت مؤسسات المجتمع المدني الأوكرانية خبرة عملية واسعة في العمل التطوعي الإنساني والاستجابة لحالات الطوارئ في ظل ظروف الحرب البالغة الصعوبة، وهي خبرات يمكن أن تكون مفيدة أيضاً لنظيراتها الأردنية.
كما أرحّب بتعزيز التعاون المباشر بين المنظمات غير الحكومية الأوكرانية والأردنية، والجامعات، والمؤسسات التطوعية، والهيئات الثقافية.
ويمكن للمشاريع الإنسانية المشتركة والتبادل التعليمي والمبادرات الثقافية والاتصالات المهنية أن تسهم في تحويل التفاهم المتبادل إلى تعاون عملي.
وفي نهاية المطاف، يدرك مجتمعانا (الأردني والأوكراني) الكلفة الإنسانية للحرب والنزوح، وأعتقد أن هذا الفهم المشترك يمكن أن يشكّل أساساً قوياً للتضامن والتعاطف وبناء شراكات مستدامة بين الشعبين.