استاذ الكيمياء الحيويه والبيولوجية الجزيئية المشارك بجامعة البترا.الاردن
وكلية الطب جامعه سوهاج.مصر
في مساحةٍ خفيّة بين العلم والحياة، تقف الجينات كأنها توقيعاتٌ أولى، تُدوِّن فينا ما لم نختره… وتترك على وجوه البشر وأرواحهم أثرًا يشبه الهمس.
ليس غريبًا أن تتشابه وجوه المصابين بمتلازمة داون، أو غيرها من الاضطرابات الوراثية.
فكل خللٍ جيني يشبه توقيعًا واحدًا يكرره القدر أينما شاء، فيصوغ منه ابتسامة واحدة، وملامح واحدة، وبراءة واحدة… حتى وإن تفرقت قلوبهم في مدن لا يربط بينها نسبٌ ولا دم.
ويتجاوز تأثير الجينات حدود الملامح إلى السلوك.
فبعض التصرفات تتشابه بين أشخاصٍ لم يلتقوا يومًا، ولم يجمعهم بيت واحد ولا بيئة واحدة.
تجدهم يتحركون بالطريقة نفسها، يتخذون الموقف ذاته، أو يكررون ردّ الفعل نفسه… وكأنّ الجين هناك، في عمق الخلية، يهمس لهم بتصرفاتٍ متقاربة، وكأنّ سلوكهم صفحة من كتابٍ واحد قُرئ بأصواتٍ مختلفة.
وعندما نتأمل الرقّة، والطيبة، ورحابة الصدر التي لا تُكتسب بالتربية وحدها، يخطر لنا احتمال وجود خيط جيني خفيّ يجعل بعض البشر يشبهون بعضهم في النبرة، والابتسامة، ودفء الروح.
و الاضطرابات النفسية والسلوكية – كالاكتئاب، وبعض أنواع التوحد، والأنماط السلوكية المعقدة – تُعد نتاجًا لتفاعل عدة جينات مع عوامل بيئية. وحين يتشارك مجموعة من الأفراد أنماطًا جينية تزيد الاستعداد لظهور سمة معينة، قد يتشابهون في تصرفاتهم… حتى لو فرّقت بينهم الجغرافيا.
وفي الجانب الآخر من المشهد، يظهر أولئك الذين يجيدون الخداع، وتتشابه بينهم المراوغة والدهاء والقدرة على تبديل الأقنعة. ليس لأنهم وُلدوا في بيئة واحدة، بل لأنّ السطر الجيني الذي يرسم ملامح السلوك القاتم قد انسحب بهدوء إلى صفحاتهم الوراثية جميعًا.
وهكذا، يبقى التشابه بين البشر حقيقة لا تخطئها عين.
وكأنّ الجينات تهمس لنا دائمًا:
مهما اختلفتم… تحملون في أعماقكم شيئًا واحدًا يجعلكم تشبهون بعضكم دون أن تشعروا.