رئيس التحرير : خالد خطار
آخر الأخبار

أخبار لبنان: بين شبح الحرب ورهان الدولة الجديدة

أخبار لبنان: بين شبح الحرب ورهان الدولة الجديدة

في مرحلة إقليمية شديدة الحساسية، تعود أخبار لبنان إلى واجهة الاهتمام السياسي والإعلامي مع تصريحات لافتة للرئيس اللبناني جوزاف عون، أعلن فيها أن "شبح الحرب” الإسرائيلية تم إبعاده عن البلاد! وأن عام 2026 قد يشكّل بداية "لبنان الجديد” ودولة المحاسبة والمؤسسات. هذه التصريحات، التي جاءت في مناسبة دينية جامعة، لم تكن مجرد تهنئة موسمية، بل حملت رسائل سياسية واضحة في توقيت بالغ الدقة.

خطاب التفاؤل في لحظة اختبار

حديث الرئيس عن ابتعاد شبح الحرب يعكس، في ظاهره، رغبة رسمية في طمأنة الداخل اللبناني المنهك من سنوات الأزمات المتراكمة: مالية، سياسية، وأمنية. إلا أن هذا التفاؤل يصطدم مباشرة بواقع ميداني مختلف، حيث لا تزال الغارات الإسرائيلية تتكرر بشكل شبه يومي على جنوب لبنان، رغم سريان وقف إطلاق النار المدعوم أميركياً منذ نوفمبر 2024. هذا التناقض بين الخطاب السياسي والواقع الأمني يطرح سؤالاً محورياً: هل نحن أمام هدوء قابل للاستمرار أم مجرد هدنة هشة؟

الإشارة إلى "جرح ينزف في الجنوب” بدت اعترافاً صريحاً بأن الخطر لم يُرفع بالكامل، وأن الحديث عن السلام لا يزال مشروطاً بتطورات ميدانية معقّدة. فالجنوب، تاريخياً، كان المرآة التي تعكس مستوى الاستقرار أو الانفجار في البلاد، وما يجري فيه يتجاوز كونه ملفاً حدودياً ليصل إلى صلب التوازنات الداخلية.

دولة المحاسبة: شعار أم مسار فعلي؟

أحد أبرز محاور تصريحات الرئيس كان الرهان على "ولادة دولة المحاسبة، دولة المؤسسات لا دولة الأحزاب والطوائف”. هذا الطرح يلامس جوهر الأزمة اللبنانية، حيث ارتبط الانهيار المالي والاقتصادي بغياب المحاسبة وتغليب منطق المحاصصة. غير أن الانتقال من الشعار إلى التطبيق يتطلب أكثر من إرادة سياسية معلنة.

لبناء دولة محاسبة فعلية، يحتاج لبنان إلى:

  • قضاء مستقل قادر على ملاحقة الفساد دون ضغوط.

  • إدارة عامة مُعاد هيكلتها على أساس الكفاءة لا الولاء.

  • توافق سياسي حدّه الأدنى وقف استخدام الدولة كأداة صراع داخلي.

من دون هذه العناصر، قد يبقى خطاب الدولة الجديدة أقرب إلى أمل مؤجل منه إلى مشروع قيد التنفيذ.

المفاوضات مع إسرائيل: واقع جديد بحذر شديد

اللافت في المرحلة الحالية هو استئناف اللقاءات المباشرة بين مسؤولين لبنانيين وإسرائيليين، للمرة الأولى منذ عقود، تحت مظلة لجنة "الميكانيزم” لمراقبة وقف إطلاق النار. هذا التطور بحد ذاته يعكس تحوّلاً في آليات إدارة الصراع، من المواجهة المفتوحة إلى التفاوض غير المباشر المنظّم.

الجولات التي عُقدت في الناقورة، برعاية أميركية وبمشاركة أطراف دولية، كشفت عن تباين واضح في الأولويات:

  • الجانب اللبناني ركّز على عودة الأهالي إلى قراهم في الجنوب.

  • الجانب الإسرائيلي أبدى هواجس أمنية مرتبطة بتجربة عام 2006، مع تأكيد أن تركيزه ينصب على الوجود المسلح لحزب الله، لا على الدولة اللبنانية.

هذا الفصل بين الدولة والجهات المسلحة، إن استمر، قد يفتح نافذة دبلوماسية جديدة، لكنه في الوقت نفسه يضع لبنان أمام معادلة دقيقة: كيف يحمي سيادته، ويعيد سكان الجنوب، من دون الانزلاق إلى تصعيد جديد؟

الجنوب بين الهدنة والقلق

رغم وقف إطلاق النار، لا تزال الضربات الجوية الإسرائيلية تتكرر، سواء في الجنوب أو في مناطق أخرى مثل البقاع. هذا الواقع يكرّس شعوراً عاماً بعدم اليقين، ويجعل أي حديث عن سلام دائم سابقاً لأوانه. فالتجارب السابقة علّمت اللبنانيين أن الهدوء لا يعني بالضرورة نهاية المواجهة، بل أحياناً مجرد استراحة بين جولات.

في هذا السياق، تبدو دعوة الرئيس إلى إنهاء الحروب والعيش بسلام طموحة، لكنها تصطدم بحقائق إقليمية معقدة، حيث يبقى لبنان جزءاً من صراعات أكبر من حدوده.

قراءة في المشهد المقبل

2026، كما يراه الرئيس، قد يكون بداية تحول تاريخي. لكن المؤشرات الحالية توحي بأن المسار سيكون مليئاً بالتحديات. نجاح هذا التحول مرتبط بعوامل عدة:

  1. قدرة الدولة على تثبيت وقف إطلاق النار ومنع الانزلاق.

  2. ترجمة خطاب المحاسبة إلى خطوات ملموسة.

  3. إدارة التفاوض مع إسرائيل دون التفريط بالثوابت الوطنية.

  4. تخفيف الاحتقان الداخلي عبر إصلاحات حقيقية.

من دون توافر هذه الشروط مجتمعة، سيبقى التفاؤل مشروعاً، لكنه هشاً.

ختاما

يقف لبنان اليوم عند تقاطع دقيق بين الأمل والحذر. التصريحات الرئاسية تعكس رغبة واضحة في طي صفحة الحرب وبناء دولة مؤسسات، لكن الواقع الأمني والسياسي يفرض مقاربة واقعية لا تكتفي بالكلمات بينما تتعالى الاعتداءات الإسرائيلية داخل الحدود اللبنانية. المرحلة المقبلة لن تُقاس بمدى جمال الخطاب، بل بقدرة الدولة على تحويله إلى سياسات ملموسة تُعيد الثقة للمواطن، وتُثبت أن ابتعاد شبح الحرب ليس مجرد إعلان، بل مسار قابل للحياة.