رئيس التحرير : خالد خطار
آخر الأخبار

الطفل الداخلي المخفي: كيف تشكل طفولتنا حياتنا وما الذي نحتاجه للشفاء

الطفل الداخلي المخفي: كيف تشكل طفولتنا حياتنا وما الذي نحتاجه للشفاء
جوهرة العرب

بقلم: د. إيمان الشطرات … (أخصائية نفسية وتربويّة  )

الطفولة ليست مجرد فترة زمنية ماضية؛ إنها الأساس الذي يُبنى عليه كل جانب من حياتنا كبالغين. تجاربنا الأولى، سواء كانت مليئة بالحب والاحتواء أو بالنقص والتجاهل، تترك بصماتها العميقة في طريقة تفكيرنا، شعورنا بأنفسنا، وطريقة تعاملنا مع الآخرين. الطفل الذي لم يحصل على الأمان العاطفي أو التعبير عن مشاعره أو الاحتواء في وقت مبكر، لا يختفي أثره مع مرور الوقت، بل يبقى مخزناً في اللاوعي ويؤثر في كل تفاعل نعيشه لاحقًا.

علم النفس التطوّري ونظرية الارتباط التي طورها جون بولبي وماري أينسورث، تشير إلى أن العلاقة بين الطفل ومقدّم الرعاية المباشر تحدد أنماط التعلق العاطفي مدى الحياة. الأطفال الذين ينشأون في بيئة مستقرة وآمنة يكوّنون القدرة على الثقة بالآخرين والتواصل العاطفي الصحي. بينما من عاش طفولة متقلبة أو محرومة من الاحتواء غالبًا ما يواجه صعوبات في التعبير عن احتياجاته، يظهر القلق أو التجنب في العلاقات، أو يصعب عليه وضع الحدود في حياته كبالغ.

الأبحاث في علم النفس العصبي تدعم هذه الفكرة. فقد أظهرت الدراسات أن التجارب العاطفية في الطفولة تُحدث تغييرات دائمة في وظيفة الدماغ، خصوصًا في مناطق تنظيم المشاعر والاستجابة للتوتر والخوف. لذلك نجد بالغين يعانون من حساسية مفرطة تجاه المواقف العاطفية البسيطة، أو خوف مستمر من رفض الآخرين، حتى في علاقات مستقرة وآمنة.

الاعتراف بتأثير الطفولة المخفية على حياتنا هو الخطوة الأولى نحو الشفاء. السماح للذات بالتعبير عن المشاعر بطريقة آمنة، سواء بالكتابة، التحدث مع صديق موثوق، أو التوجه لأخصائي نفسي، يساعد على فهم الطفل الداخلي واحتوائه. من المهم إدراك أن البحث عن علاقات داعمة تمنح الأمان والاحترام يمكن أن يعوّض بعض ما فقدناه، ويعلمنا أن مشاعرنا لها قيمة حقيقية. الشفاء لا يعني محو الماضي، بل فهمه، الاحتواء، وإعطاء أنفسنا ما حُرمنا منه سابقًا.

قد يحتاج الشخص إلى تدخل الأخصائي النفسي عندما تصبح آثار الطفولة المؤجلة واضحة في حياته اليومية. من العلامات التي تستدعي ذلك: شعور مستمر بالقلق أو الاكتئاب، صعوبة التحكم في الانفعالات، تكرار النزاعات في العلاقات، فقدان الثقة بالآخرين، شعور دائم بعدم الاستحقاق، أو العجز عن التعبير عن المشاعر والاحتياجات بشكل آمن. التدخل المهني يساعد على تفكيك الأنماط القديمة، تعزيز الثقة بالنفس، وتعلم طرق جديدة للتعامل مع المواقف العاطفية.

الطفل الداخلي المخفي ليس عبئًا، بل فرصة للنمو والوعي الذاتي، وفهم أعمق لأنفسنا، مما يتيح حياة أكثر صحة عاطفية ورضا داخلي، ويجعلنا قادرين على بناء علاقات أكثر توازنًا