كثيرٌ منا ينتظر الهدايا الإعلانية من بعض أصدقائه ومعارفه، وبالمقابل يروّج البعض لمصنعه أو نشاطه التجاري عبر هذه الهدايا، فينشغل بتجهيزها قبل انتهاء الشهر الأخير من السنة، ليقوم بتوزيعها على من يهمه أمرهم، أو على بعض من تربطه بهم مصلحة ما.
وهكذا يفرح الجميع بتلك الهدايا الرمزية التي لا تتعدّى الأقلام، أو الكؤوس، أو لوحات التقويم للسنة القادمة، أو دفاتر الملاحظات، أو الساعات.
هي هدايا بسيطة، لكنها تسعد المانح والمتلقي على حدٍّ سواء.
اعتدنا تبادل هذه الهدايا الإعلانية مع بداية كل عام جديد، وبعضنا يحصل على الكثير منها نتيجة تعدد علاقاته، فيقوم بدوره بتوزيعها على أصدقائه ومعارفه.
لي صديقة كان زوجها يشغل منصبًا مهمًا، وكان يجلب لها الكثير من تلك الهدايا الإعلانية، فتقوم هي بتوزيعها على أصدقائها.
مرت السنين، وكبر زوجها، وأُحيل إلى التقاعد، لكن المفاجأة كانت عندما زرتها ورأيت لوحة التقويم لهذه السنة تعود إلى صيدلية فقط، وليس لديها سواها. تعجبت وسألتها، فتبسمت بحسرة وقالت:
«معارف المصلحة اختفوا، ولم يبقَ لنا صديق إلا الصيدلي، لأن زوجي زبون مهم لديهم ويحظى بمودتهم، فأعطوه هذه اللوحة اليتيمة!»
حاولت أن أُخفف عنها مشاعر الأسى، وقلت لها ضاحكة:
«غدًا سيعود ابنك من غربته، ويفتتح شركة كبيرة، ويحقق حلمه وحلمكم، وسيتهافت عليه العملاء وهداياهم الإعلانية، وتعودين لعادتك في إمداد معارفك بأجمل الهدايا».
ضحكنا وغيرنا الحديث، لكنني شعرت بالحزن، ليس فقط لحال صديقتي أو لتعب زوجها الصحي، بل لأن تساؤلات كثيرة دارت في خلدي:
لماذا لا تستمر المودة حتى بعد انتهاء المصالح؟
نحن جميعًا نحتاج بعضنا البعض، نحتاج أن نطمئن على بعضنا، وأن نودّ بعضنا، وأن نشارك بعضنا، حتى وإن انتهت المصالح بيننا.
هناك أصدقاء فرّقتهم الظروف والمسافات، لكن المودة الصادقة بقيت. وإن التقوا، تلاشت السنين من ذاكرتهم، وكأنهم لم يفترقوا إلا أيامًا معدودة. يتلهف كل واحد لمعرفة أخبار الآخر، ويسرد أخباره وأخبار أسرته بسعادة.
هذا النوع من الصداقة هو ما يجب أن نحرص عليه، وأن ندعو الله أن يباركه، وأن نورثه لأبنائنا.
ولا عجب أن كان قدوتنا نبينا محمد ﷺ يتواصل ويكرم صديقات أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، إكرامًا لها ووفاءً لذكراها، إذ كان يرى في صلتهن وفاءً لزوجته، مصداقًا لقوله ﷺ:
«إنَّ حسنَ العهدِ من الإيمان».
الصداقة ليست مجرد مودة عابرة، بل هي توافق روحي وتقارب نفسي.
والصديق الحق هو من يشاركك تعبك قبل فرحك، ويسعده توفيقك ونجاحك، ويدافع عنك في غيابك، ويصوّبك إذا أخطأت، ويدعمك إذا كافحت.
تجده بقربك متى ما احتجت إليه أو إلى نصيحته، ويفهمك حتى وإن عجزت أنت عن التوضيح، ولا يظن بك السوء مهما بدر منك، ويعذرك إن قصّرت، لأنه يعرف صدق نواياك.
ولا عجب أن جعل الله سبحانه وتعالى ظله يشمل الصديقين المتحابين في الله، إذ قال رسول الله ﷺ:
«سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله… ورجلان تحابا في الله».
ومن أجمل وأعمق ما قيل عن الصديق في التاريخ الحديث قول جبران خليل جبران:
«إذا صمتَ صديقُك ولم يتكلم، فلا ينقطع قلبُك عن الإصغاء».
الأصدقاء ليسوا بكثرتهم، بل بنوعيتهم.
فما فائدة عشرة أصدقاء لا يرتقون لمعنى الصداقة الحقيقي؟
قد تكون بيننا وبينهم صحبة جميلة ومودة لطيفة، لكنها وقتية، تنتهي بانتهاء اللقاء.
وقد قيل: «صديق واحد يستطيع أن يكون عالمي».
لذلك، علينا أن نحسن الاختيار، وأن نختار الصديق الصدوق الذي يعيننا على تقلبات الحياة، ويكون لنا رفيق دربٍ إلى الجنة بصالح الأعمال