تشهد المجتمعات في مراحل معيّنة تحديات تمسّ جوهر الأمن والسلم الاجتماعي، حين تتراجع القيم الإنسانية، ويضعف الردع، وتُترك مظاهر العنف والجريمة دون معالجة حاسمة. في مثل هذه اللحظات، لا يعود الخطر مقتصراً على حادثة بعينها، بل يمتد ليهدد الثقة بالمنظومة القانونية ودور الدولة في حماية مواطنيها.
فقد الأردن، خلال الأيام الماضية، الزميلة المحامية زينة المجالي، في جريمة أليمة هزّت الرأي العام، وخلّفت صدمة عميقة في الوسطين القانوني والمجتمعي. زينة، التي عُرفت بأخلاقها العالية والتزامها المهني، كانت تدافع عن كرامة والدها وحقه في الحياة، قبل أن تتحول إلى ضحية عنفٍ مدان، لا يبرره دين ولا عرف ولا قانون.
إن هذه الجريمة، بما تحمله من قسوة ودلالات، لا يمكن التعامل معها كحادث فردي معزول، بل هي مؤشر خطير على تصاعد أنماط العنف، وانتشار المخدرات، وتنامي البلطجة، في ظل شعور متزايد لدى البعض بغياب الردع الحقيقي. وعندما تضعف هيبة القانون، تصبح حياة الأفراد، مهما كانت مكانتهم أو رسالتهم، عرضة للخطر.
لقد أثبتت التجارب أن التوسع غير المدروس في العقوبات البديلة، والتساهل مع الجرائم الخطيرة، وعدم الحزم مع كبار المتورطين في تجارة المخدرات والعنف المنظم، يقود إلى نتائج تهدد الأمن المجتمعي، وتفتح الباب أمام الفوضى. فالقانون وُجد ليُطبق بعدالة وحزم، لا ليُفرّغ من مضمونه.
وانطلاقاً من المسؤولية المهنية والأخلاقية، أتوجه إلى نقابة المحامين الأردنيين، ممثلة بنقيبها الأستاذ يحيى أبو عبود، وأعضاء مجلس النقابة، بدعوة لاتخاذ موقف رمزي واضح، يتمثل في التوقف عن الترافع لمدة ساعة واحدة في جميع محاكم المملكة، حداداً على روح الزميلة الراحلة، وتأكيداً على رفض العنف، ورسالة بأن أمن المحامين وكرامتهم خط أحمر.
رحم الله الزميلة زينة المجالي، وأسكنها فسيح جناته، وألهم أهلها وذويها ومحبيها الصبر والسلوان.
ويبقى الأمل أن تشكّل هذه الفاجعة محطة مراجعة جادة، تُعيد الاعتبار لسيادة القانون، وتضع حداً لكل من يعبث بأمن المجتمع وحقه في الحياة الآمنة