رئيس التحرير : خالد خطار
آخر الأخبار

أثر الصيام على الصحة النفسية: حين يلتقي العلم بالروح بقلم الدكتورة إيمان الشطرات

أثر الصيام على الصحة النفسية: حين يلتقي العلم بالروح بقلم الدكتورة إيمان الشطرات
جوهرة العرب 


في زمن تتزايد فيه الضغوط النفسية وتتسارع وتيرة الحياة بشكل يرهق الإنسان ذهنيًا وعاطفيًا، يبرز الصيام بوصفه تجربة إنسانية متكاملة لا تقتصر على الامتناع عن الطعام والشراب، بل تمتد لتلامس أعماق النفس وتعيد تشكيل العلاقة بين الجسد والعقل والروح، وقد بدأت الدراسات الحديثة في علم النفس تؤكد أن للصيام تأثيرات حقيقية وملموسة على الصحة النفسية تتجاوز الإطار الديني أو الاجتماعي. فقد أظهرت مراجعات علمية حديثة تناولت تأثير صيام شهر رمضان أن نسبة كبيرة من الدراسات سجلت انخفاضًا واضحًا في أعراض الاكتئاب والقلق لدى الصائمين، إلى جانب تحسن ملحوظ في مؤشرات الرفاهية النفسية والشعور بالرضا العام عن الحياة، كما بينت بعض الأبحاث التي نُشرت في مجلات علمية محكمة أن الصيام قد يرتبط بتحسن في جوانب إدراكية مثل التركيز والانتباه والقدرة على ضبط الانفعالات، وهي عناصر أساسية في التوازن النفسي.

ويرى باحثون في علم النفس الصحي أن الامتناع الإرادي عن الطعام لفترة زمنية محددة يعزز الإحساس بالتحكم الذاتي، وهو مفهوم محوري في نظريات الصحة النفسية الحديثة، إذ إن شعور الإنسان بقدرته على إدارة رغباته وتأجيل إشباعها يرتبط بارتفاع مستوى الصلابة النفسية والقدرة على التكيف مع الضغوط. كما تشير بعض الدراسات الفسيولوجية إلى أن الصيام يؤثر في توازن بعض الهرمونات والناقلات العصبية المرتبطة بالمزاج، مما قد يفسر الشعور بالصفاء الذهني والهدوء الداخلي الذي يصفه كثير من الصائمين، خاصة عندما يقترن الصيام بممارسات روحية وتأملية تعزز الإحساس بالمعنى والغاية. وفي هذا السياق يؤكد مختصون في الطب النفسي أن البعد الروحي المصاحب للصيام، بما يتضمنه من صلاة وتأمل وإعادة تقييم للذات، يسهم في خفض مستويات التوتر وتحفيز مشاعر الطمأنينة، وهو ما يتوافق مع نظريات علم النفس الإيجابي التي تربط بين الإيمان والمعنى الشخصي وبين ارتفاع مستوى الرضا النفسي.

ولا يمكن إغفال الدور الاجتماعي للصيام في تعزيز الصحة النفسية، إذ إن التجمعات العائلية على مائدة الإفطار، والتواصل المتزايد بين أفراد المجتمع خلال الشهر الفضيل، يخلقان شبكة دعم اجتماعي قوية تُعد من أهم العوامل الواقية من الاضطرابات النفسية، فالدعم الاجتماعي بحسب الدراسات النفسية يعد عنصرًا حاسمًا في تقليل الشعور بالوحدة والعزلة، وهما من أبرز مسببات القلق والاكتئاب في العصر الحديث. ومع ذلك يشير الباحثون إلى أن التأثيرات النفسية للصيام قد تختلف من شخص لآخر تبعًا للحالة الصحية ونمط النوم وجودة التغذية، فاضطراب النوم أو الإفراط في تناول الطعام بعد الإفطار قد يقلل من الفوائد المتوقعة، مما يبرز أهمية الاعتدال والتنظيم لتحقيق التوازن المطلوب.

إن الصيام، وفق المعطيات العلمية المعاصرة، ليس مجرد طقس تعبدي أو عادة اجتماعية، بل تجربة إنسانية متعددة الأبعاد تعيد للإنسان إحساسه بالسيطرة على ذاته، وتمنحه فرصة لإعادة ترتيب أولوياته النفسية والروحية، وتوفر له بيئة اجتماعية داعمة تعزز الشعور بالانتماء والسكينة، ولذلك فإن الحديث عن أثر الصيام على الصحة النفسية لم يعد طرحًا وعظيًا أو انطباعًا شخصيًا، بل أصبح موضوعًا تدعمه نتائج بحثية متزايدة تؤكد أن لهذه الممارسة العريقة قدرة حقيقية على دعم التوازن النفسي وتعزيز جودة الحياة عندما تُمارس بوعي  واعتدال