رئيس التحرير : خالد خطار
آخر الأخبار

النائب أحمد حسن الشديفات يكتب : بين "أعمار أمتي" وقانون الضمان: الشعب أسير للضغط والسكري والقولون.. فهل نتقاعد لنرتاح أم لنموت؟

النائب أحمد حسن الشديفات يكتب : بين  أعمار أمتي وقانون الضمان: الشعب أسير للضغط والسكري والقولون.. فهل نتقاعد لنرتاح أم لنموت؟
بين  "أعمار أمتي" وقانون الضمان: الشعب أسير للضغط والسكري والقولون.. فهل نتقاعد لنرتاح أم لنموت؟

بقلم: سعادة الدكتور أحمد شديفات

في الوقت الذي تضج فيه الغرف المغلقة بنقاشات الأرقام والجداول الاكتوارية لاستدامة صناديق الضمان الاجتماعي، تغيب عن الطاولة الأرقام الحقيقية التي يسطرها الواقع الأردني المرير؛ أرقام الضغط والسكري والقولون العصبي، وأسعار السلع الأساسية التي باتت تحدد عُمر الموظف قبل أن يحدده القانون.
لقد وضع لنا الرسول الكريم ﷺ سياقاً زمنياً واضحاً بقوله: "أعمار أمتي بين الستين والسبعين"، وهو توجيه يستوجب من المشرّع أن يجعل من هذه السنوات القليلة المتبقية بعد رحلة العطاء الطويلة سنواتِ راحة وكرامة، لا سنواتِ صراع مع المرض والفقر. إن رفع سن التقاعد في ظل الظروف الحالية ليس مجرد "إجراء تنظيمي"، بل هو حكم بالأعمال الشاقة المؤبدة على جسدٍ أنهكته سنوات الخدمة.

وتأتي التساؤلات؟

كيف لسياسةٍ عامة أن تتوقع من موظفٍ يشتري قوت يومه بـ "الدينار" (لبنة وسنيورة) أن يمتلك البنية الجسدية التي تؤهله للعمل لسنوات طويلة؟ إن الجسد البشري ليس آلة صماء، بل هو نتاج ما يأكل وما يشعر. فبأي منطقٍ نطلب من الموظف أن يعمّر البلد وهو يصارع ليعمّر بيته بجسدٍ استُنزف وقودُه من سوء التغذية والإجهاد النفسي؟

ثانياً: "المثلث الصحي" واغتيال القدرة البدنية
إن تشخيص الواقع الصحي يكشف عن مأساة حقيقية؛ فمعظم الشعب الأردني بات أسيراً لثلاثية (الضغط، السكري، والقولون العصبي). هذه ليست مجرد أمراض عارضة، بل هي "متلازمة وطنية" ونتاج حتمي للقهر الاقتصادي والتوتر المزمن. كيف نطلب من جسدٍ محاصر بهذه الأمراض التي تظهر في سن الأربعين أن يظل منتجاً حتى الـ 65؟ إن الإصرار على رفع السن دون توفير بيئة صحية وغذائية تضمن للمواطن الوصول لسن الستين وهو قادر على المشي، يعني أننا نستهدف "شطب الالتزامات" بوفاة الموظف قبل وصوله لخط النهاية.

ثالثاً: العدالة الجيلية ورفض "فاتورة الأخطاء المتراكمة "

لا يجوز قانوناً ولا أخلاقاً أن يدفع المواطن الحالي ثمن أخطاء وتجاوزات حكومات سابقة تنعمت بخيرات البلد، وتركت لهذا الشعب عبء المديونية التي تُدفع اليوم من حساب العمر والصحة. إن إصلاح الضمان يبدأ من إصلاح كافة الإجراءات الحكومية، أولها توفير دخل كافٍ وقطاع صحي متكامل ورفاه حقيقي.
الخلاصة:
إن رفع سن التقاعد دون هذه الإصلاحات هو بمثابة نقل المواطن من "مكتب العمل" إلى "القبر" مباشرة، دون المرور بمحطة الراحة التي استحقها بجهده وعرقه. إن كرامة الأردني ليست أرقاماً تُجمع وتُطرح، بل هي حقٌ شرعي وإنساني في أن يرى ثمرة تعبه وهو بكامل صحته، لا وهو مثقل بالأدوية والديون.
اتقوا الله في أعمارنا، فما بقي منها لا يحتمل مزيداً من التجارب
وسنقف بالمرصاد منحازين للمواطن .