بلغت دبي ذروتها السوقية السابقة في سبتمبر 2014. وبعد عقدٍ من الزمن، لم تتعاف الأسعار فحسب، بل تجاوزت تلك المستويات
كانت ذروة 2014 مدفوعة إلى حد كبير بالمضاربات. أما اليوم، فيستند أداء السوق العقاري إلى تعزيز الأطر التنظيمية، والانضباط في حسابات الضمان، وتوحيد إجراءات التسجيل، وتحسين شفافية التنفيذ
يعكس سلوك المستثمرين بشكل متزايد تخصيصًا منضبطًا لرأس المال، مع تركيز المشترين على صافي العوائد بعد رسوم الخدمات، ومقارنات إعادة البيع، وتحليل المعروض المستقبلي، واتساق تسليم المشاريع من قبل المطورين
"تعتمد الأسواق المضارِبة على بهجة الدخول، بينما تعتمد الأسواق المنظمة على عمق الخروج"
دبي، الإمارات العربية المتحدة – 26 فبراير 2026: يشهد سوق العقارات في دبي تحولًا كبيرًا من الديناميكيات التي كانت مدفوعة بالمضاربات خلال ذروة 2014، نحو بيئة أكثر تنظيمًا واستقرارًا، حيث أصبح رأس المال الاستراتيجي هو القوة الدافعة الرئيسية في 2026.
وفقًا لبيانات جديدة صادرة عن شركة الاستشارات العقارية ومقرها دبي VVS Estate"في.في.أس. إستايت"، فإن رأس المال الاستراتيجي يقود حاليًا نحو 40% من سوق العقارات في الإمارة. ويستند هذا التحول إلى بيانات حصرية للشركة، تشمل رؤى العملاء، واتجاهات المبيعات، وتحليلات السوق، ما يعيد تشكيل آليات تقييم المخاطر والسيولة والقيمة طويلة الأجل في مختلف قطاعات السوق.
وقالت فالنتينا روسو، مؤسِسة VVS: "غالبًا ما توصف الدورات العقارية من حيث التقلبات والزخم، لكن التطور الحالي في دبي ذو طابع هيكلي، تشكله عمق الأطر التنظيمية، وتحسّن الشفافية، والمشاركة المتزايدة لرأس المال المنضبط."
ويبرز هذا التوجه أيضًا في تقرير سوق العقارات السكنية في دبي لعام 2025 الصادر عن Savills Middle East، والذي يشير إلى تغير ملحوظ في تركيبة الصفقات. فوفقًا للبيانات، ارتفعت نسبة المعاملات السكنية التي تتجاوز قيمتها 5 ملايين درهم (1.36 مليون دولار) إلى 9%، ما يعكس استمرار الطلب على الأصول السكنية عالية القيمة.
وترى VVS أن النمو في الشريحة العليا من السوق غالبًا ما يدل على توظيف استراتيجي لرأس المال، وليس نشاطًا مضاربيًا قصير الأجل، مما يعزز انتقال السوق نحو سلوك استثماري طويل المدى.
وتدعم بيانات تدفقات رأس المال هذا الاتجاه. فبحسب JLL، يواصل المستثمرون قيادة النشاط في القطاع السكني بدبي. ويُظهر تقرير «مراجعة السوق والتوقعات للشرق الأوسط وأفريقيا 2025» أن معاملات البيع على الخارطة — والتي تُعد مؤشرًا على تخصيص رأس المال الاستراتيجي — تمثل أكثر من 60% من إجمالي قيمة المعاملات السكنية، بما يعادل نحو 223 مليار درهم (60.72 مليار دولار).
وبالاقتران بين بيانات التسعير من Savills وتحليل تدفقات رأس المال من JLL، تتضح ملامح سوق يتشكل بوتيرة متصاعدة عبر قرارات تخصيص مدروسة، لا مشاركة مدفوعة بالزخم.
كما تُظهر بياناتProperty Finder أن المساكن الفاخرة والعقارات ذات العلامات التجارية باتت تمثل حصة متنامية من إجمالي المعاملات. ومع ارتفاع نسبة الصفقات التي تتجاوز 2,500 درهم (681 دولارًا) للقدم المربعة، ارتفعت المتوسطات السعرية على مستوى المدينة بصورة طبيعية.
وأضافت روسو: "هذا ليس تضخمًا، بل يعكس تحولًا في هيكلية الشرائح. إن مقارنة سوق اليوم مباشرة بعام 2014 دون تعديل مزيج المنتجات يُبسط التحليل بشكل مخل."
وكانت دبي قد بلغت ذروتها السوقية السابقة في سبتمبر 2014. وبعد عقد، لم تتعافَ الأسعار فحسب، بل تجاوزت تلك المستويات.
ووفقًا لمؤشر الأسعار الديناميكي الصادر عن Property Monitor، بلغ متوسط أسعار الشقق نحو 1,484 درهمًا (404 دولارات) للقدم المربعة في مطلع 2025، أي بأكثر من 20% فوق ذروة 2014، قبل أن يتجاوز 1,600 درهم (436 دولارًا) للقدم المربعة بحلول منتصف العام نفسه.
وتشير VVS إلى أن تعافي الأسعار وحده لا يحدد جودة السوق. وأوضحت: "في 2014 كان النمو مدفوعًا إلى حد كبير بالزخم. أما اليوم، فيستند الأداء إلى تعزيز الأطر التنظيمية، والانضباط في حسابات الضمان، وتوحيد التسجيل، وتحسين شفافية التنفيذ. الفارق هنا هيكلي."
إن تعزيز الأطر التنظيمية تحت إشراف دائرة الأراضي والأملاك في دبي تعد من أبرز التحولات منذ الدورة السابقة. فقد أصبحت عمليات تسجيل العقود تتم ضمن أطر زمنية محددة عبر أنظمة مركزية، بينما تخضع حسابات الضمان لآليات صرف مرتبطة بمراحل التنفيذ الفعلي للبناء. وعلى الرغم من أن هذه التدابير لا تقضي على مخاطر السوق تمامًا، إلا أنها تقلل بشكل كبير من عدم اليقين الإجرائي ومخاطر التنفيذ.
وأضافت روسو: "لقد أعاد هذا العمق التنظيمي تشكيل ملف المخاطر في دبي بشكل جوهري، وعزز جاذبيتها لرؤوس الأموال المؤسسية وطويلة الأجل."
كما يعزز عمق السوق هذا التحول. تُظهر بيانات صادرة عن DXB Interact استمرار سيولة السوق الثانوية في المجتمعات الرئيسية، حتى عند مستويات سعرية مرتفعة، وهو ما يُعد سمة من سمات الأسواق العقارية الناضجة.
ويعكس سلوك المستثمرين بشكل متزايد تخصيصًا منضبطًا لرأس المال، مع التركيز على صافي العوائد بعد رسوم الخدمات، ومقارنات إعادة البيع، وتحليل المعروض المستقبلي، واتساق تسليم المشاريع من قبل المطورين.
واختتمت روسو: "تعتمد الأسواق المضارِبة على بهجة الدخول، بينما تعتمد الأسواق المنظمة على عمق الخروج."
وبحسبVVS ، فإن التحول الأهم الجاري في سوق عقارات دبي هو تحول سلوكي أكثر منه سعريًا. فالمشاركة تتحول من دخول مدفوع بالحماس إلى قرارات قائمة على التخصيص المدروس، حيث يُوظَّف رأس المال بشكل استراتيجي لا تفاعلي.
وبات المستثمرون ينظرون إلى دبي باعتبارها بيئة رأسمالية منظمة تتميز بوضوح تنظيمي وعمق في السيولة ومكانة عالمية، وليس مجرد سوق نمو مرتفع. قد يبدو هذا التحول هادئًا، لكنه ما يعزز الاستدامة.