رئيس التحرير : خالد خطار
آخر الأخبار

حاملة الطائرات الأميركية "جيرالد فورد": هل سقطت هيبة التفوق البحري؟

حاملة الطائرات الأميركية جيرالد فورد: هل سقطت هيبة التفوق البحري؟

في عالم السياسة والعسكرة، نادراً ما تكون الحقيقة هي الرواية التي تُبث في النشرات الإخبارية الرسمية، خاصة عندما يتعلق الأمر بكرامة القوى العظمى. إن الحديث عن حاملة الطائرات الأميركية "جيرالد فورد" لا يقتصر فقط على كونها أضخم وأغلى سفينة حربية في تاريخ البشرية بتكلفة تجاوزت 13 مليار دولار، بل أصبح اليوم مرتبطاً بأنباء متضاربة تثير الريبة حول قدرة هذه "القلعة العائمة" على الصمود أمام التهديدات غير التقليدية في مياه الشرق الأوسط المشتعلة.

 

رواية "الغسالة" المضحكة وحقيقة الاستهداف

خلال الأسابيع الماضية، ضجت الأوساط العسكرية بأنباء عن وقوع "حادث" على متن الحاملة جيرالد فورد أثناء تواجدها في مهام قتالية. المثير للسخرية كان الرد الرسمي الصادر عن الإدارة الأميركية، الذي حاول تبسيط الأمر وتصويره على أنه "حريق محدود في وحدة الغسيل" بسبب عطل في إحدى الغسالات. هذه الرواية التي استهزأ بها المحللون لم تكن سوى محاولة يائسة للتغطية على حقيقة مرة: الحاملة تعرضت لاستهداف مباشر ألحق بها أضراراً لم تكن واشنطن مستعدة للاعتراف بها.

يبدو أن ترامب وإدارته يحاولون جاهدين الحفاظ على "بياض الوجه" أمام الناخب الأميركي، خاصة مع اقتراب استحقاقات سياسية حاسمة. إن الاعتراف بأن أيقونة التكنولوجيا البحرية الأميركية قد ثُقبت أو تضررت بفعل سلاح "رخيص" مقارنة بتكلفتها المليارية، سيعني انهيار نظرية الردع بالكامل. لذا، كان من الأسهل عليهم إلقاء اللائمة على "غسالة ملابس" بدلاً من الاعتراف بأن الدفاعات الجوية المتطورة قد تم اختراقها.

المقامرة بدماء الشباب الأميركي

إن ما يحدث اليوم يتجاوز مجرد التغطية على حادث بحري؛ إنه مقامرة علنية بأرواح أبناء الشعب الأميركي. فبينما تُرسل حاملات الطائرات وتُحلق قاذفة B-1 في سماء المنطقة لاستعراض العضلات، هناك خطط تُطبخ خلف الأبواب المغلقة لإرسال جنود المشاة في غزو بري نحو إيران.

هذه الحرب، التي يبدو أن المحرك الأساسي لها هو الرغبة في إرضاء الطموحات الإسرائيلية، تضع واشنطن في فخ تاريخي. فالجمهور الأميركي الذي ملَّ من "الحروب الأبدية" يجد نفسه اليوم أمام إدارة مستعدة لفتح جبهة مع دولة تمتلك جغرافيا جبلية انتحارية وترسانة صاروخية لا ترحم. إن إرسال القوات براً إلى إيران لن يكون نزهة كالتي روج لها المحافظون الجدد في عام 2003، بل سيكون مستنقعاً سيبتلع آلاف الأرواح من أجل حرب لم يطلبها الشعب الأميركي ولم يستشر فيها.

موازين القوى في اختبار الواقع

  • التكلفة مقابل الفعالية: حاملة طائرات بـ 13 مليار دولار يمكن تهديدها بمسيرة انتحارية تكلف 20 ألف دولار. هذه الفجوة الاقتصادية تجعل استمرار التفوق الأميركي نزيفاً مالياً لا ينتهي.

  • الدرع الهش: إذا كانت "جيرالد فورد" بكل تقنياتها الرقمية ومنجنيقها الكهرومغناطيسي قد اهتزت أمام هجمة محدودة، فماذا سيحدث في حال اندلاع مواجهة شاملة تُستخدم فيها آلاف الصواريخ المتزامنة؟

  • الخداع السياسي: استخدام مبررات مضحكة للأعطال الفنية يعكس حالة من الرعب الاستراتيجي من كشف العجز الدفاعي أمام الخصوم وحلفائهم.

 

الغزو البري: الفخ الذي ينتظر المشاة

التسريبات القادمة من دوائر صنع القرار تشير إلى أن الضربات الجوية والقصف البعيد المدى لن يكون كافياً من وجهة نظر الإدارة الحالية، وأن هناك دفعاً نحو "الحل البري". هذا التوجه يمثل ذروة المقامرة؛ فإيران ليست مجرد مساحات مفتوحة، بل هي حصن طبيعي محاط بسلسلة جبال زاجروس، وكل جندي أميركي سيطأ تلك الأرض سيكون هدفاً سهلاً للقناصة والكمائن والمسيرات القصيرة المدى.

إن ترامب، الذي لطالما نادى بشعار "أميركا أولاً"، يبدو اليوم وكأنه يضع "إسرائيل أولاً" من خلال جر بلاده إلى صراع قد ينهي مكانة الولايات المتحدة كقوة عظمى. الحقيقة المرة هي أن الجنود الذين يتم شحنهم الآن نحو القواعد في الشرق الأوسط، يذهبون ليكونوا وقوداً لحرب أُريد لها أن تشتعل لحسابات جيوسياسية لا تخدم المواطن في أوهايو أو تكساس، بل تخدم مراكز قوى بعيدة كل البعد عن مصالح واشنطن القومية.

 

في نهاية المطاف

إن الأنباء المتضاربة حول ما جرى على متن "جيرالد فورد" ليست مجرد أخبار عابرة، بل هي جرس إنذار يكشف حجم التضليل الذي يمارس على الشعب الأميركي. إن محاولة إخفاء حقيقة إصابة الحاملة بقصة "الغسالة المحترقة" هي إهانة لذكاء الجمهور، ودليل على أن القيادة تخشى من الحقيقة أكثر من خشيتها من الحرب نفسها.

إن المضي قدماً في خطط الهجوم البري على إيران هو مقامرة أخيرة قد تؤدي إلى كارثة إنسانية وعسكرية غير مسبوقة. التاريخ سيسجل أن دماء الجنود الأميركيين استُخدمت كعملة مقايضة في سوق المصالح الإقليمية، وأن التكنولوجيا العسكرية الباهظة لم تحمِ أصحابها عندما قرروا الدخول في حرب قائمة على الغرور وتلبية رغبات الآخرين. الخروج بـ "بياض الوجه" لن يتحقق بالكذب، بل بالانسحاب من هذه المقامرة قبل أن يعود الجنود في توابيت لا تغطيها قصص الغسالات المحترقة.