رئيس التحرير : خالد خطار
آخر الأخبار

قراءة الدكتور سامي الجمعان النقدية لمسرحية (نصف ليلى) ضمن عروض أيام الشارقة المسرحية 35

قراءة الدكتور سامي الجمعان النقدية لمسرحية (نصف ليلى) ضمن عروض أيام الشارقة المسرحية 35
جوهرة العرب 

أ.د سامي عبداللطيف الجمعان



في ليلة من ليالي أيام الشارقة المسرحية شاهدت عرضا مسرحيا أكثر من توجزه عبارة  المواجهة الأبدية بين الثنائية الضدية المعهودة، الرجل والمرأة،  السيد والسيدة، الذكر والأنثى، عنوان هذا العرض "نصف ليلى"، الذي اقترحت علينا رؤيته الإخراجية المخرجة الإماراتية إلهام محمد، متخذة من نص الكاتب أحمد الماجد أرضية ينطلق منها مشروعها، الذي أمسكت  فيه المرأة بزمام الخطاب، حتى بتنا أمام خطاب نسوي خالص، يترجم النسوية وصوتها العالي على الشكل الذي طرحته هذه النظرية الثائرة انتصارا لحقوق النساء، أو هي كما تعرف بالحركة التي سعت إلى إنهاء التمييز ضد المرأة، ومحاربة الهيمنة الذكورية، مع حماية المرأة من أشكال العنف والتسلط.

قبل الخوض في تفكيك مفاصل هذا العرض الذي يدخل ضمن عروض المسابقة الرسمية لأيام الشارقة المسرحية أود الإشارة إلى فريق الممثلين الذي شكلت منه المخرجة طاقمها، وانقسموا إلى ممثلتين، هما: أماني بلعج وبدرية آل علي، وممثلين، هما: نصر الدين عبيدي، وفلته.

" نصف ليلى " وبصورة عامة عرض يحتفي بالممثل، ويحتفي بالعناصر الفنية، حد المغالاة في التوظيف، ومع هذا لا أرى أن هذه المغالاة أحدثت شرخا في مستوى العرض، أو في توظيفه المجاني للعناصر، فثمة انسجام وجب التنويه إليه، الأمر الذي خلق عرضا على أقل تقدير فيه طاقة مسرحية فرجوية تقبل النقاش وتستحق التواصل، وإن من قياساتي للعرض المسرحي الجيد تحقق فعل التلقي الإيجابي، وهذا ما لاحظناه أثناء مشاهدة العرض وبعد انتهائه، وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع أي عرض مسرحي لا يتوجب بأب حال من الأحوال اغفال الرأي البدئي للجمهور، وتقبله للعرض فنيا.

أعود الآن لمحاولة نقدية لمقاربة العرض فنيا، وسأنطلق من فكرة النص القائمة على لحظة حياتية طويلة، فيها تحولات عمرية لامرأتين تشكلان زوجتين لرجل واحد، حتى وإن لم يكن الفصل تقليديا في بنية السيدتين، فأصبحنا نراهما امرأة واحدة، تتشظى في صورتين، الأولى تحكمها العاطفة والثانية يحكمها العقل، وبينهما زوج تقليدي سلبهما الحياة والضوء والبهجة وسرق منهما العمر، لذا فالحكاية تنطلق من أرذل العمر، حتى تحولت الحياة إلى صمت ووجوم، ولاشيء غير تذكر الراحلين الذين يأخذهم الموت منا ولا يعودوا، وهذا ما جعل من الانتظار ثيمة فاعلة في هذا العرض، فالسيدتان ينتظران مجرد أشباح، حتى أن الصمت والفقد والوحشة كانت سببا في تحريك الذاكرة وانطلاق قافلة البوح.

وهذه النقطة التي انطلق منها العرض فعليا حين بدأ البوح، أو لنقل بدأت المحاكمة الفعلية للرجل والحياة الموجعة التي عاشاها معه، رغم اختلاف السيدتين في المواقف والأفكار والتوجهات، بيد أن اتحادهما لم يتحقق إلا في موقف واحد، هو الدفاع بحس نسوي خالص ضد الذكورة وتسلطها.

لاشك أن الفكرة تحتمل القراءات المتعددة حتى وإن قدم فريق العمل تصورا محدد تمثل في اعتبار النص تعبيرا عن شخصيتين طاعنتين في السن، كلتاهما تحملان اسم ليلى، صديقتان تجمعهما الجيرة والمدرسة، إلا أن الزمن أدى إلى تحول العلاقة إلى خصام، بعد ان تشاركتا الزواج من الرجل ذاته، فالتقيتا في سن متأخرة، فاستعرضتا أهم محطات حياتهما، وهذا التصور البدئي يقيد التأويل في النص، كونه نصا مفتوحا على حد رأي أمبرتو إيكو، بحيث يقبل التأويلات، بفضل وجود التلقي الذي يسهم في إنتاج المعنى، لذلك شخصيا لم يرق لي هذا التصور الجاهز لعرض يقول أكثر من هذا.  

فنيا انطلقت مخرجة العرض ـ كما بدا لي ـ من رؤية إخراجية واضحة، لم تخلُ من الوعي والدراية، أدلل على ذلك الانسجام الملاحظ بين عناصر العرض،  والمواكبة غير المخلة بين عنصر وآخر، ابتداء من الاعتماد على المشهدية البصرية وتفعيل عناصرها من سينوغرافيا وأزياء وصوتيات وحركة ممثل وتأثيث الركح، وصولا استثمار المسرح عاموديا، بمستويات علوية وسفلية طالت حتى قاعة الجمهور التي تشكل مستوى أدنى، وسقف الخشبة الذي يشكل مستوى أعلى، وهذا التنوع في المستويات لم يكن عبئا على بصرية الرؤية بل منحها أبعادا لطيفة، أسهم فيها حسن التوظيف وتبسطه، ينسحب هذا على قطع الديكور ذات اللون الرمادي الداكن التي تواءمت مع شاعرية لغة النص، وفكرة البوح القائم على التحول الزمني من مرحلة إلى أخرى.

بمعنى أن المخرجة قدمت حلولا إخراجية لطيفة، أسهمت في صناعة إيقاع متوازن للعرض، وفي وجهة نظري أن وعي المخرج المسرحي بإيقاع عرضه هو بحد ذاته قدرة فائقة على ضمان حسن التلقي، وهذا ما تحقق في هذا العرض، الذي من حيله الإخراجية اللطيفة استثمار الكراسي كقطع قابلة للطي، والتحويل من حالة إلى أخرى، ومن هذه الحلول الانتقالات السريعة من وضعية إلى أخرى عبر الحركة الجسدية التي بدت وكأنها قوة ضاربة في العرض خاصة من أماني بلعج، ضف إلى ذلك جعل المؤثرات الصوتية حاضرة وحية، مع نقطة فارقة تتمثل في دمج العازف مع اللعبة المسرحية واعتباره ممثلا لا مجرد عازف فحسب.

من أجمل الحلول الإخراجية التي منحت العرض حيوية ونشاطا الاستعراضات التي لم تكن مجرد استعراضات فائضة عن الحاجة، بل شكلت مجالا للتعبير الجسدي الاستعراضي عن الحالة النفسية التي يعبر فيها صراع الزوجات مع الزوج، كأن نعبر بالفلامنجو الإسباني، أو بالحضرة الصوفية، أو بالرقص الثوري، أو بما يشبه الزار وطقوسه، والجميل في هذا كله أنه جاء عفويا بحيث يأتي وكأنه لحظة تعبيرية منسجمة مع الحوار ومتوائمة معه.

من أصعب ما يمكن توظيفه في العروض المسرحية الأغاني الشهيرة ذات البعد المرجعي، ومكمن الصعوبة معرفة الجمهور لها وحفظه إياها، بل والذكريات التي يحملها كل متفرج مع تلك الأغنية أو ذيك، ومع هذا فإن استدعاء هذا العرض لتلك الأغاني المعروفة اتسم بالتفرد، نتيجة دمج الأغاني في الحالة الشعورية للمشهد، ثم عدم أدائها أداء غنائيا بل بما تتطلبه الحالة الدرامية، فلك أن تتخيل خطورة أن توظف أغنية لأم كلثوم، بعبارتها الشهيرة "ياحبيبي"، أو توظف أغنية ماجدة الرومي "كلمات"، أو أغنية محمد عبدالوهاب " يا مسافر وحدك".
  • قراءة الدكتور سامي الجمعان النقدية لمسرحية (نصف ليلى) ضمن عروض أيام الشارقة المسرحية 35
  • قراءة الدكتور سامي الجمعان النقدية لمسرحية (نصف ليلى) ضمن عروض أيام الشارقة المسرحية 35
  • قراءة الدكتور سامي الجمعان النقدية لمسرحية (نصف ليلى) ضمن عروض أيام الشارقة المسرحية 35