رئيس التحرير : خالد خطار
آخر الأخبار

أخلاقيات الجوار٠٠ بقلم ٠٠٠ عاليه علي الزبيدى٠

أخلاقيات الجوار٠٠  بقلم ٠٠٠ عاليه علي الزبيدى٠
جوهرة العرب 
عاليه علي الزبيدى٠
وسط هذا الزحام الذي نعيشه، حيث نمرّ ببعضنا أكثر مما نلتقي، يلحّ سؤالٌ صادق؛ كيف نعيش متجاورين ولا نشعر ببعضنا، وكيف تضيق المسافات بين البيوت بينما تتسع الفجوة بين القلوب؟ لعل الخلل لم يعد في المكان، بل في الإحساس؛ فحين يفقد الجوار معناه، لا نخسر علاقة اجتماعية، بل نخسر جزءاً من إنسانيتنا التي لا تكتمل إلا بالآخر القريب. فالجوار ليس مسافاتٍ بين جدران، بل علاقة تبدأ من القلب، وتُقاس في التفاصيل الصغيرة التي تصنع الحياة.

في تلك المسافة الضيقة بين بابك وباب جارك، تنكشف الأخلاق كما هي، بلا تكلّف. هناك يُختبر الصدق، ويظهر ما في القلب من رحمة، لأن القريب لا يُخدع بالمظاهر، بل يرى الحقيقة كما هي. ولهذا لم يكن الجوار في التصور الإسلامي أمراً هامشياً، بل جاء متصلاً بجوهر الإيمان نفسه، كما في قوله تعالى {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا… وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ}، في سياق يجمع بين أعظم حقٍ وأقرب علاقة، وكأن المعنى يرسخ أن الإيمان لا يُقاس فقط بما بينك وبين الله، بل بما يفيض منك إلى من حولك.

ويأتي الهدي النبوي ليجعل هذا المعنى أكثر قرباً ووضوحاً، حين تتكرر الوصية بالجار حتى تبلغ مبلغاً لافتاً في قوله ﷺ "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورّثه”، وهو تعبير يرفع الجوار من مجرد علاقة سكن إلى مساحة من المسؤولية الإنسانية العميقة، فالقرب في المكان لا قيمة له إن لم يتحول إلى قرب في الشعور، ولا معنى للجوار إن لم يحمل في داخله إحساساً بالآخر والتفاتاً صادقاً إليه.

وقد عاشت مجتمعاتنا هذا المعنى ببساطةٍ صادقة لا تُعلَّم ولا تُتكلَّف، بل كانت تُولد في القلوب وتكبر مع الأيام. كان الجار يُدرك حال جاره من نظرة، ويقرأ ما في صدره من صمتٍ ثقيل قبل أن ينطق، وكأن بين القلوب معرفةً خفيّة لا تحتاج إلى شرح. فإذا نزل الحزن في بيت، لم يكن بيتاً واحداً من ينكسر، بل الحيّ كله؛ تخفُت الأصوات من تلقاء نفسها، وتغيب الضحكات دون أن يطلب أحد، وتُؤجَّل الأفراح كأن الفرح يستحي أن يمرّ بجوار الدموع. حتى تفاصيل الحياة الصغيرة كانت تنحني احتراماً لذلك الوجع؛ يُطفأ التلفاز، وتُغلق الأبواب بهدوء، وتُخفَّف الخطوات كأنها تخشى أن تلامس حزناً ساكناً في قلب جار. لم تكن تلك عادات تُؤدّى، بل كانت قلوباً تعرف كيف تُواسي، وتفهم أن الجار ليس مجرد قريب في المكان، بل شريك في الشعور، له نصيب من الفرح كما له نصيب من الحزن، وحضور في القلب تصنعه إنسانية صادقة.

وبين هذا المعنى الذي كان يُعاش، وما أصبح عليه الحال، تبقى الحقيقة أبسط مما نظن؛ أن الجوار لا يحتاج إلى جهدٍ كبير بقدر ما يحتاج إلى قلبٍ حاضر. كلمة طيبة تُقال بصدق، تحية دافئة تُعيد وصل ما انقطع، سؤالٌ في وقت الغياب، أو حتى كفّ أذى قد لا ننتبه له… تفاصيل صغيرة، لكنها ليست بسيطة الأثر؛ فهي لا تُصلح كل شيء، لكنها تفتح الباب، وتكسر الجليد، وتعيد للقلوب قدرتها على الاقتراب من جديد. تفاصيل قادرة أن تعيد الدفء إلى العلاقات، وأن تُحيي فينا ما خفُت من إنسانيتنا. فالجوار في جوهره ليس عنواناً على الخريطة، بل مساحة في القلب، واختبار يومي لمدى حضور الرحمة فينا، وكلما أحسنّا إلى من يجاورنا، اقتربنا من المعنى الحقيقي للإنسانية، ومن روح الإيمان التي لا تُقاس بكثرة الأقوال، بل بصدق الأثر الذي نتركه في حياة من حولنا.