في ظل الأوضاع الراهنة، كثير من الناس يلاحظون أنهم متعبون، قلقون، أو حتى غير قادرين على التركيز أو الشعور بالراحة كما كانوا من قبل. أحيانًا لا نستطيع أن نفسر هذا التعب، فنظن أن المشكلة فينا نحن، أو أننا أصبحنا أضعف من السابق. لكن من منظور علم النفس، ما يحدث هو شيء مفهوم وطبيعي جدًا عندما يتعرض الإنسان لضغط نفسي مستمر، سواء من الأخبار، أو الأحداث، أو حتى الشعور العام بعدم الاستقرار.
العقل البشري لا يستطيع أن يبقى في حالة استنفار طوال الوقت دون أن يتأثر. عندما نتعرض للضغط، يقوم الجسم تلقائيًا بتنشيط ما يسمى "استجابة التوتر”، وهي آلية دفاعية خلقها الجسم ليحمينا في المواقف الصعبة. هذه الاستجابة مفيدة عندما تكون مؤقتة، لكنها عندما تستمر لفترة طويلة تتحول إلى عبء على الجهاز العصبي، فيبدأ الإنسان بالشعور بالإرهاق، التوتر، اضطراب النوم، سرعة الانفعال، أو حتى شعور غريب بالفراغ أو عدم الإحساس بالأشياء كما السابق. وهذا ليس ضعفًا نفسيًا، بل نتيجة طبيعية لإرهاق الجهاز العصبي.
كثير من الدراسات في علم النفس العصبي تشير إلى أن التعرض المستمر للأخبار المقلقة أو المحتوى السلبي يمكن أن يزيد من مستوى القلق العام ويؤثر على قدرة الدماغ على التركيز واتخاذ القرار. كما أن الدماغ عندما يبقى في حالة "توقع خطر” بشكل مستمر، يبدأ بالمبالغة في تفسير الأمور، فيشعر الإنسان أن كل شيء أكبر أو أخطر مما هو عليه في الواقع. وهذا ما يفسر لماذا قد نشعر أحيانًا أننا مشتتون أو قلقون دون سبب واضح.
المهم هنا أن نفهم أن ما نشعر به ليس دليلاً على الضعف، بل هو إشارة من الجسم بأنه بحاجة إلى تهدئة وإعادة توازن. العقل والجسد يحتاجان إلى فترات أمان حقيقية حتى يعودا إلى طبيعتهما. لذلك من المفيد في مثل هذه الفترات أن نخفف من التعرض المستمر للأخبار، وأن نسمح لأنفسنا بالعودة للحظة الحالية من خلال أشياء بسيطة مثل التنفس الهادئ أو التوقف القصير أو حتى مجرد الاعتراف بالمشاعر بدل إنكارها. مجرد أن نقول لأنفسنا "أنا الآن متعب” أو "أنا قلق” يساعد الدماغ على تخفيف حدة التوتر بدل تضخيمه.
القوة النفسية لا تعني ألا نتأثر بما يحدث حولنا، بل تعني أن نفهم أنفسنا جيدًا ونحن نتأثر، وأن لا نضيع داخل هذا التأثر. الإنسان لا يحتاج أن يكون قويًا طوال الوقت بقدر ما يحتاج أن يكون واعيًا لنفسه، قادراً على التوقف، وعلى إعادة التوازن كلما اختل.
وفي النهاية، ما نحتاجه في مثل هذه الأوقات ليس إنكار المشاعر، بل احتواؤها بلطف، لأن الهدوء النفسي ليس رفاهية، بل حاجة أساسية لنستمر بشكل صحي ومتوازن.