رئيس التحرير : خالد خطار
آخر الأخبار

الحسم من أجر العامل بين الجواز والتعسف كتب أ. المحامي فيصل اخليف الطراونة

الحسم من أجر العامل بين الجواز والتعسف كتب أ. المحامي فيصل اخليف الطراونة
جوهرة العرب 
 الحسم من أجر العامل بين الجواز والتعسف
أ. المحامي فيصل اخليف الطراونة 
ــــــــــــــــــــــــ
يُعد الأجر حجر الأساس في عقد العمل، فهو المقابل المشروع لما يقدّمه العامل من جهدٍ ووقتٍ وخبرة، ومن ثم فإن أي مساس به بغير سند قانوني يُشكّل إخلالًا بجوهر العلاقة العمالية ومساسًا مباشرًا بالأمن المعيشي للعامل.

 

وقد أولى قانون العمل الأردني عناية خاصة بحماية الأجر، انطلاقًا من كونه حقًا لصيقًا بالعامل، لا يجوز الانتقاص منه إلا في نطاقٍ ضيق وضمن ضوابط محددة على سبيل الحصر، منعًا لأي تعسف قد يُمارس تحت مظلة السلطة الإدارية لصاحب العمل.

أولًا: الأصل عدم جواز الحسم

الأصل المستقر قانونًا أن الأجر حق خالص للعامل، ولا يجوز لصاحب العمل اقتطاع أي جزء منه بإرادته المنفردة، إلا في الحالات التي أجازها القانون صراحة، وبما لا يتجاوز النسب المقررة قانونًا، الأمر الذي يُكرّس مبدأ حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.

ثانيًا: حالات الحسم المشروع

أجاز المشرّع الأردني الحسم من الأجر في حالات محددة، من أبرزها:

* استرداد السلف المالية التي يمنحها صاحب العمل للعامل.

* اقتطاع اشتراكات الضمان الاجتماعي.

* تنفيذ الديون بموجب أحكام قضائية قطعية.

* التعويض عن أضرار مادية ألحقها العامل بصاحب العمل نتيجة خطئه المثبت.

إلا أن هذه الحالات ليست مطلقة، بل مقيّدة بضرورة إثبات السبب، واحترام الإجراءات، وعدم تجاوز الحد الأقصى للحسم من الأجر، بما يضمن عدم الإضرار بقدرة العامل على تأمين متطلبات معيشته الأساسية.

ثالثًا: الحسم كجزاء تأديبي-بين المشروعية والبطلان

يُعد الخلط بين الحسم المشروع والجزاءات التأديبية من أبرز الإشكالات العملية؛ إذ يلجأ بعض أصحاب العمل إلى فرض اقتطاعات مالية تحت مسميات "ضعف الإنتاج" أو "الأخطاء المهنية" دون اتباع الإجراءات القانونية الواجبة.

والأصل أن الجزاءات التأديبية تخضع لضوابط محددة، تبدأ بالتحقيق وسماع أقوال العامل، وتمرّ بالتدرج في العقوبة، ولا يجوز أن تتحول إلى وسيلة اقتطاع مالي مباشر دون سند قانوني صريح أو نظام داخلي معتمد.

رابعًا: عبء الإثبات وحدود السلطة

استقر اجتهاد محكمة التمييز الأردنية على أن الحسم من الأجر يُعد استثناءً لا يجوز التوسع فيه، وأن عبء إثبات مشروعية الاقتطاع يقع على عاتق صاحب العمل، سواء من حيث ثبوت الدين أو تحقق الضرر أو اتباع الإجراءات القانونية السليمة.

وعليه، فإن أي اقتطاع يتم دون إثبات أو دون مراعاة الضوابط القانونية يُعد حسمًا تعسفيًا يستوجب المساءلة.

خامسًا: الآثار القانونية للحسم غير المشروع

يترتب على الحسم غير المشروع جملة من الآثار القانونية، أبرزها:

* أحقية العامل بالمطالبة برد المبالغ المقتطعة.

* إمكانية المطالبة بالتعويض عن الضرر.

* تعرّض صاحب العمل للمساءلة القانونية والغرامات وفق أحكام التشريع النافذ.

سادسًا: توصيات عملية

* لأصحاب العمل: ضرورة وضع أنظمة داخلية واضحة ومعتمدة، وتوثيق أي سلف أو التزامات مالية، والامتناع عن أي حسم دون سند قانوني صريح.

* للعامل: الاحتفاظ بكشوف الرواتب، والاعتراض على أي حسم غير مبرر خطيًا، واللجوء إلى الجهات المختصة عند الاقتضاء.

ختامًا

إن حماية الأجر لا تعني مجرد صون مبلغ مالي، بل تمتد لتشمل حماية استقرار الأسرة، وصون كرامة الإنسان، وتعزيز الثقة في بيئة العمل. ومن ثم، فإن الالتزام بقيود الحسم القانونية ليس خيارًا إداريًا، بل واجب قانوني وأخلاقي تُحتّمه العدالة ويكرّسه القانون.

ــ الراي