في إدارة المدن، لا تُقاس جودة القرارات بحجمها فقط، بل بمدى دقتها وانعكاسها على التفاصيل اليومية التي يعيشها الناس. فالتفصيل الصغير، كاختيار لون زيّ مهني، قد يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه في الحقيقة جزء من منظومة أوسع ترتبط بالسلامة العامة، والهوية المؤسسية، ووضوح الأدوار في الفضاء العام.
وفي هذا السياق، يأتي المقترح الصادر عن أمانة عمّان الكبرى لاعتماد زيّ موحّد لعمّال شركات النظافة بلونٍ قريب من زيّ بعض الأجهزة العامله في الميدان . ورغم ما يحمله هذا التوجه من نية تنظيمية إيجابية، تهدف إلى توحيد المظهر وتعزيز الانضباط، إلا أنّه—برأيي—مقترح غير موفّق من حيث الاختيار اللوني، لما قد يترتب عليه من تداخل بصري غير محمود.
على المستوى العالمي، تميل المدن الكبرى إلى التمييز البصري الواضح بين الجهات الخدمية والجهات الاخرى. ليس لأن لكل جهة "هيبة” خاصة فحسب، بل لأن وضوح الهوية يقلل من الالتباس لدى المواطنين ويُسهّل الاستجابة في الحالات الطارئة. في العديد من الدول، تُمنح فرق النظافة ألوانًا لافتة ومختلفة، غالبًا ذات طابع عاكس للضوء، بهدف السلامة أولًا، ثم التمييز ثانيًا. أما الألوان المرتبطة بالأمن، فتُحاط بحساسية عالية نظرًا لدلالاتها ووظيفتها.
داخليًا، يدرك الجميع مكانة اي فريق عامل في الميدان وابدةر الذي يلعبه، وهو ما يجعل أي تقاطع بصري معه، حتى لو كان غير مقصود، قابلًا لإحداث لبس لدى المواطن أو الزائر. هذا اللبس قد يبدو محدودًا في الحياة اليومية، لكنه في حالات الازدحام أو الطوارئ قد يؤثر على سرعة الإدراك واتخاذ القرار. الفكرة هنا ليست في التقليل من قيمة أي مهنة، بل في احترام خصوصية كل دور ومنحه هويته الواضحة.
من زاوية أخرى، فإن عمّال النظافة يمثلون واجهة حضارية للمدينة، ويستحقون هوية بصرية تعكس طبيعة عملهم وأهميته. اختيار لون مميز وواضح، وربما أكثر حيوية، يحقق هدفين في آنٍ واحد، تعزيز السلامة من خلال الظهور العالي، وبناء صورة ذهنية إيجابية عن هذه المهنة الحيوية التي تقوم على خدمة المجتمع يوميًا.
كما أن إدارة الهوية المؤسسية الحديثة تنظر إلى التفاصيل الصغيرة بوصفها أدوات تأثير. اللون، الشعار، وطبيعة التصميم، كلها عناصر تساهم في تشكيل العلاقة بين المؤسسة والمجتمع. وعندما يحدث تداخل غير مدروس بين هذه العناصر، فإن الرسالة قد تصل مشوشة، حتى وإن كانت النوايا سليمة.
المطلوب هنا ليس نقدًا بقدر ما هو مراجعة مهنية هادئة. إعادة النظر في هذا المقترح من حيث اللون تحديدًا، قد تفتح المجال لاعتماد بدائل أكثر وضوحًا وتميّزًا، تحقق السلامة، وتحافظ على خصوصية كل جهة، وتعكس صورة حضارية متكاملة لمدينة عمّان.