يعد غوته أول من استخدم تعبير الأدب العالمي في أواخر العشرينات عندما قال:"إن عصر الآداب القومية قد ولّى ولا بد من قدوم زمن للأدب العالمي" لكن ما قاله غوته كان استشرافا للمستقبل ولم يكن نظرية نقدية متكاملة، ويمكن القول إن غوته كان يقدم تصوره لما ينبغي أن تكون عليه الآداب.
وثمة عدة عوامل أسهمت في بلورة منظور غوته للعالمية، لعل أبرزها:
- إتقان غوته للغات أوروبية متعددة، وقدرته على قراءة آداب تلك اللغات مما وسع أفقه الإبداعي وجعله يتخطى الحواجز القومية الضيقة.
- إلمام غوته ببعض اللغات الشرقية، ومتابعته الجيدة للترجمات التي تأتي من تلك الآداب وخاصة الفارسية والعربية؛ فقد قرأ القرآن الكريم في ترجماته المتعددة، وأعجب ببلاغة القرآن الكريم، بالإضافة إلى كتابته عن الرسول (عليه الصلاة والسلام) بأبعاد إيجابية، وكان معجبا بالشعر الجاهلي ويرى أنه يحقق الحكمة والصدق والرجولة.
- زيارة غوته إل أوروبا حيث شكلت زيارته لإيطاليا نقطة تحول في حياته الفكرية، فقد كان يقسم حياته إلى ما قبل إيطاليا وما بعد إيطاليا، وشكلت التجربة الإيطالية بالنسبة إليه نقطة تحول فنية كبرى.
لكن هذه العوامل كلها لم تكن كافية لبلورة العالمية وثمة عامل حاسم في هذا الإطار يتمثل في إقامة الصلات بين الشعوب الأوروبية التي غدت سهلة نظرا لتقدم وسائل المواصلات، فاعتقد غوته أن هذه الأمور كافية لبلورة نزعة إنسانية عالمية لا تصدر عن قومية بعينها بل تصدر عن نزعة إنسانية.
إن طبيعة الأدب العالمي عند غوته تكمن في أنه لم ينادي بأن يكتب الناس الأدب في العالم بطريقة واحدة فهذا أمر مستحيل لكنه كان يدعو إلى التخفيف من التعصب وزيادة التسامح بين الناس. وكان يرى أن الكتابة بأبعادها المحلية لا تتناقض مع العالمية لأنها الطريق لتشكيل أدب عالمي إذا خلت من التعصب. كما شكلت لغة الكتابة مسألة محيرة في هذه العالمية لأن الناس لا يفهمون إلا لغاتهم القومية، وبالتالي كانت الترجمة وسيلة من وسائل العالمية، وهذا أمر محفوف بكثير من المخاطر.
إن غوته كان في هذه الدعوة متحمسا طامحا في بلورة آداب إنسانية لكن هذا الطموح وحده على أهميته لم يبلور رؤى نقدية وإن كان كثير من النقاد قد تابعوا غوته بعد ذلك وحاولوا أن يبلوروا الأبعاد النقدية العالمية.