رئيس التحرير : خالد خطار
آخر الأخبار

الأم بقلم: نادية إبراهيم نوري

الأم بقلم: نادية إبراهيم نوري
جوهرة العرب

لم أجد عنوانًا لمقالي أجمل ولا أشمل من كلمة الأم.
فلا عجب أن يختار الكاتب الروسي مكسيم غوركي كلمة الأم عنوانًا لروايته التي تدور حول امرأة بسيطة وخائفة، تتحول إلى شخصية ثورية تدافع عن حقوق العمال، بعدما كان ابنها سببًا في وعيها وتغيّر شخصيتها.

هكذا هي الأم عبر العصور والأزمان؛ سواء كانت متعلمة أم أمية، مثقفة أم بسيطة، فهي المحور الأساسي لأسرتها، وبناء مستقبل أبنائها هو هدف حياتها، وأقصى درجات طموحها، وأهم أسباب سعادتها.

منذ فجر التاريخ وحتى يومنا هذا، نرى نماذج مشرّفة للأم ودورها العظيم في بناء مستقبل أسرتها وأبنائها بشكل خاص. وحولنا الكثير من الأمثلة المبهرة التي تؤكد هذا الدور؛ فالأم، سواء كانت عاملة أو ربّة منزل، يبقى اهتمامها الأول والأخير هو مستقبل أبنائها التعليمي. فهي لا تهتم فقط بتعليمهم، بل تحرص على تفوقهم ونجاحهم.

ولا عجب أن نرى الأم تسهر بجوار ابنها وهو يذاكر دروسه ليلة الامتحان، أو أن نشاهد تجمع الأمهات أمام المدارس، ليس فقط لتوصيل أبنائهن، بل للبقاء بانتظار خروجهم، خاصة في مرحلة الثانوية العامة، حيث تحديد المصير ومستقبل الجامعة. فلا تستطيع الأم الصبر حتى يعود ابنها إلى المنزل، بل تقف ساعات أمام المدرسة لتراجع معه إجاباته وتطمئن على أدائه، كي يهدأ قلبها.

ولا توجد سعادة تدخل قلبها أعظم من نجاح ابنها وحصوله على أعلى الدرجات.
أتذكر جيدًا زوجة البواب التي كانت تطرق أبواب الشقق، تسأل إن كنا نحتاج إلى مساعدة في التنظيف أو أي عمل شاق، فقط لتؤمّن مالًا إضافيًا في أيام امتحانات أبنائها، كي تُدخلهم مجموعات التقوية. كانت أمية، لكنها لم ترد لأبنائها المصير نفسه، بل حلمت لهم بمستقبل أفضل، قائم على العلم والاجتهاد والتفوق.

ولن أنسى مشهد فلاحة التقيت بها في القطار، كانت برفقة ابنها ذي العشرة أعوام. كان محور اهتمامها بالكامل. كانت تشتري له الحلوى، وكلما مرّ بائع يحمل أدوات تحمل علم بلادها، اشترت له منها لتزرع في نفسه الوطنية والانتماء. ومن حديثها معه، فهمت أنه يسافر ثلاث مرات أسبوعيًا من قريتهم إلى الإسكندرية ليتدرّب على كرة القدم. كانت تحلم أن تراه يمثل وطنه ويفوز في المباريات، لذلك كانت تحرص أن تكون ملابسه وحقيبته وأدواته تحمل علم بلاده، تعزيزًا لحب الوطن والانتماء.

هي امرأة بسيطة لم تنل حظًا من التعليم، لكنها كانت تحمل طموحًا كبيرًا؛ أرادت أن تُعدّ ابنها ليكون رياضيًا ناجحًا ونموذجًا يُفتخر به.

كما أتذكر شابة كانت تؤدي دور الأم والأب معًا بعد انفصالها، لكنها بذلت كل ما في وسعها، بل وفوق طاقتها، لتجعل أبناءها أفضل من أقرانهم. رأيتها ذات مرة تدرب ابنها لتساعده على التخلص من خوفه، وتشجعه على ممارسة الرياضة بكل صبر وإصرار، متناسية تعبها والتزاماتها، في سبيل هدف واحد: أن تزرع فيه الشجاعة والثقة بالنفس والقدرة على مواجهة الحياة.

ولا عجب أن نجد الأمهات يدرسن المناهج مع أبنائهن ويراجعن دروسهم، أو أن نراهن في النوادي الرياضية والمسابح والملاعب يدعمن أبناءهن رياضيًا ومعنويًا، فلا يكتفين بالتعليم المدرسي فقط، بل يشجعنهم على كل نشاط رياضي أو علمي أو ترفيهي.

هذا فضلًا عن أنها إذا مرض ابنها – لا قدّر الله – تحولت إلى طبيبة وممرضة في الوقت نفسه.

ولا يفوتنا أن ننحني إجلالًا وفخرًا لكل أم شهيد، تزف ابنها عريسًا إلى الجنة، وهي تردد: الحمد لله الذي رزقه الشهادة التي تمناها. فلا تذرف دموع الضعف، ولا تقبل التعازي، بل تُعد إخوته ليكملوا الرسالة.

وصدق من قال: أمك جيشك الكامل، وإن تخلى عنك العالم كله.

ولا عجب حين سأل رجل رسولنا الكريم ﷺ: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ فقال:
«أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك»