كثيرة هي المهرجانات التي يحتضنها الأردن، وكثيرة هي المساحات التي منحتها هذه المهرجانات للشعراء والمثقفين والفنانين، فكان الشعر النبطي حاضرًا، والشعبي حاضرًا، والفصيح حاضرًا، إلى جانب الموسيقى والفنون والتراث بمختلف أشكاله.
وهذا الحراك الثقافي محل تقدير، لأنه يؤكد أن الثقافة الأردنية ما زالت قادرة على صناعة المشهد، وعلى استقطاب المبدعين من داخل الأردن وخارجه.
لكن وسط هذا المشهد، كان هناك فراغ يستحق أن يُملأ:
متى يكون هناك مهرجان متخصص بالشعر النبطي وحده؟
من هنا جاءت فكرة مهرجان مادبا للشعر النبطي في دورته الأولى، الذي أقيم قبل مايقارب الشهر ، ليضع الشعر النبطي في الواجهة، لا كفقرة ضمن برنامج ثقافي متنوع، وإنما باعتباره هوية المهرجان وروحه وعنوانه الأساسي.
وهنا تكمن أهمية التجربة.
فمهرجان مادبا لم يكن مجرد مهرجان يستضيف شعراء نبطيين، وإنما مهرجان متخصص بالشعر النبطي، جمع شعراء من الأردن والوطن العربي، وفتح لهم مساحة للقاء والتفاعل وتبادل التجارب.
خمسة أيام.. لم تكن مجرد أيام شعر
ربما كان من أهم ما ميّز مهرجان مادبا أن الشاعر لم يكن ضيفًا ليوم واحد.
في كثير من الفعاليات، يأتي الشاعر في موعد أمسيته، يشارك، ثم يغادر.
أما في مادبا، فقد بدأت الحكاية قبل انطلاق المهرجان، عندما اجتمع الشعراء الأردنيون والعرب في مكان إقامة واحد، واستمر وجودهم وتواصلهم على مدى خمسة أيام، مرورًا بالأمسيات الشعرية والرحلات والجولات السياحية واللقاءات اليومية، وصولًا إلى حفل الختام.
وهنا حدث شيء أهم من الشعر نفسه.
حدث التعارف.
حدث الحوار بين التجارب المختلفة، وتبادل الثقافات واللهجات والقصص والخبرات، وتشكلت صداقات وعلاقات بين شعراء ربما كان بعضهم يلتقي للمرة الأولى.
وهذه واحدة من أهم الرسائل التي يمكن أن يحملها أي مهرجان ثقافي ناجح:
أن يجمع الإنسان بالإنسان قبل أن يجمع الشاعر بالمنصة.
مادبا لم تكن مسرحًا.. كانت حاضرة في القصيدة
اختار المهرجان مادبا مكانًا، لكن الشعراء جعلوا مادبا جزءًا من تجربتهم.
تغنوا بها، وكتبوا عنها، وحملوا صورتها معهم إلى بلدانهم.
ومن رحم هذه الأجواء ولدت أغنية «مادبا»، من كلمات الشاعر القطري جاهز العتيبي، وألحان وغناء الفنان الأردني رائد السرحان.
وهكذا خرجت مادبا من حدود المكان إلى فضاء القصيدة والأغنية.
وهذه هي قوة الثقافة عندما تنجح في تقديم المكان بطريقة مختلفة؛ أن تجعل الزائر لا يراه فقط، بل يشعر به ويحمله معه.
«شعراء المليون في رحاب مادبا».. ذاكرة لا يجب أن تُنسى
ومن أبرز ما حملته الدورة الأولى مبادرة «شعراء المليون في رحاب مادبا»، لتكريم الشعراء الأردنيين الذين شاركوا في برنامج «شاعر المليون».
بدأت المبادرة بتكريم أول شاعر أردني شارك في البرنامج، إلى جانب تكريم عدد من الشعراء المشاركين في آخر نسخة، على أن تستمر المبادرة في الدورات المقبلة لتشمل بقية الشعراء، موسمًا بعد موسم.
وهذه ليست مجرد حفلة تكريم.
إنها محاولة لحفظ ذاكرة الشعر النبطي الأردني، والاعتراف بمن حملوا اسم الأردن إلى واحدة من أهم المنصات الشعرية العربية.
أن تكرّم شاعرًا اليوم، يعني أنك تحفظ جزءًا من تاريخ الشعر للأجيال القادمة.
لماذا نقول إن لمهرجان مادبا سبقًا؟
لأن الحديث هنا ليس عن أن مادبا هي أول مدينة تستضيف شعرًا نبطيًا، فهذا أمر موجود في الكثير من الفعاليات والمهرجانات.
لكن خصوصية التجربة تكمن في أن المهرجان جاء متخصصًا بالكامل بالشعر النبطي، وأنه بنى برنامجه وفكرته حول هذا اللون الشعري، واستقطب شعراء من الأردن والوطن العربي، ووضعهم في تجربة إقامة وتواصل مشتركة امتدت لأيام.
وهذا هو الفرق بين أن يكون الشعر النبطي حاضرًا في مهرجان، وبين أن يكون هو المهرجان نفسه.
البداية كانت من مادبا.. والطموح أكبر
لا ندّعي أن الدورة الأولى كانت نهاية الطريق، بل هي بدايته.
وكل مهرجان يولد يحتاج إلى سنوات حتى تتراكم تجربته، ويكبر جمهوره، وتتوسع مشاركاته، وتصبح له هويته الخاصة على خارطة المهرجانات العربية.
لكن ما حدث في مادبا يستحق أن يُبنى عليه.
أن يصبح هناك مهرجان سنوي متخصص بالشعر النبطي.
أن تتوسع المشاركة العربية.
أن يستمر تكريم شعراء «شاعر المليون».
أن تتطور التجربة السياحية والثقافية المصاحبة.
وأن تصبح مادبا موعدًا ينتظره محبو الشعر النبطي في الأردن والوطن العربي.
فالمهرجانات لا تُقاس بعدد أيامها فقط، ولا بعدد الشعراء الذين يعتلون منصتها، وإنما بما تتركه بعد انتهائها.
ومهرجان مادبا ترك فكرة.
فكرة تقول إن الشعر النبطي يستحق مهرجانًا متخصصًا، وإن مادبا قادرة على أن تكون بيتًا لهذا اللون الشعري، وإن الثقافة يمكن أن تكون جسرًا حقيقيًا بين الأردن وأشقائه العرب.
ومن هنا نقول:
أهلًا بكل المهرجانات التي تحتفي بالشعر والثقافة والتراث، وأهلًا بمهرجان مادبا الذي اختار أن يتخصص في الشعر النبطي.
فالمنافسة ليست بين المهرجانات، وإنما التكامل هو ما يصنع المشهد الثقافي.