رئيس التحرير: المستشار محمد صالح الملكاوي [ 00962795755033 ]
آخر الأخبار

مَن سرق ملامحنا؟ حين يصبح التشابه أسهل من أن تكون نفسك .. بقلم عمر الدريني

 مَن سرق ملامحنا؟   حين يصبح التشابه أسهل من أن تكون نفسك .. بقلم عمر الدريني
جوهرة العرب


في زمنٍ كان الإنسان يبحث فيه عن صورته في المرآة، أصبح يبحث عنها في عيون الآخرين، لم نعد نسأل كثيرًا: ماذا أريد؟ بل: ماذا يعجب الناس؟ ماذا يحقق انتشارًا؟ ماذا سيقولون؟ لم يسرق أحد وجوهنا، لكننا بدأنا، بهدوء، نتنازل عنها، قد يختار شاب تخصصًا لا يحبه لأن الجميع يراه مناسبًا، وقد يسلك آخر وظيفة لا تشبهه لأنها تبدو ناجحة، وقد يعيش إنسان حياة كاملة وفق مقاسات صممها الآخرون له، ثم في لحظة صمت، بعيدًا عن التصفيق، يواجه السؤال الأصعب: هل هذه حياتي فعلًا؟

المشكلة ليست في أن نتأثر بالآخرين؛ فالإنسان يتعلم من محيطه، ويحتاج إلى من سبقه ليرى الطريق بوضوح أكبر. المشكلة تبدأ حين يتحول التعلم إلى تقليد، والاقتداء إلى ذوبان، والاختلاف إلى تهمة، نحن نعيش في زمن تعرض فيه المنصات الجزء القابل للعرض من حياة الآخرين: نجاح بلا سنوات المحاولة، ابتسامة بلا ما سبقها من خوف، وإنجاز بلا ليالٍ طويلة من الشك، ثم نقارن ذلك كله بحياتنا كاملة، ونسأل: لماذا أنا متأخر؟ والحقيقة أننا لا نرى حياة الآخرين؛ نرى النسخة التي اختاروا أن نراها.

الأخطر من ذلك أن الإنسان قد ينجح في الشيء الخطأ، قد يحصل على الوظيفة والمال والشهرة والإعجاب، ثم يكتشف بعد سنوات أنه كان يركض بسرعة مذهلة في الاتجاه الذي لم يرده أصلًا، ليس كل نجاح نجاحًا؛ فقد تكسب إعجاب الناس وتخسر نفسك، وقد تصل إلى المكان الذي حلم به الآخرون لك، لتكتشف أنك لم تحلم به يومًا، لذلك فالسؤال الأهم ليس: إلى أين وصلت؟ بل: هل المكان الذي وصلت إليه يشبهك؟

وربما تبدأ المشكلة في وقت مبكر، عندما يسمع الطفل: «كن مثل فلان»، أو «انظر إلى ابن فلان»، وكأن النجاح له نموذج واحد، وكأن الاختلاف عيب يحتاج إلى إصلاح، الطفل لا يحتاج إلى نسخة يقلدها؛ يحتاج إلى مساحة يكتشف فيها موهبته، ويخطئ، ويسأل، ويختلف، ثم يسمع من الكبار: كن أنت وسنساعدك لتصبح أفضل، فالمجتمعات لا تتقدم بكثرة النسخ المتشابهة، وإنما بالأشخاص الذين امتلكوا شجاعة السؤال: ماذا لو كان هناك طريق آخر؟

أن تكون مختلفًا لا يعني أن تكون على صواب دائمًا، لكنه يعني أنك لم تسلّم عقلك بالكامل لما يفعله الجميع، وربما لا نحتاج إلى تغيير حياتنا كلها، بل إلى لحظة صدق واحدة نسأل فيها أنفسنا: هل اخترت هذا الطريق لأنني أريده، أم لأن الآخرين يريدونه لي؟ هل أقول ما أؤمن به، أم ما يضمن التصفيق؟ وهل أربي أبنائي ليكونوا أنفسهم، أم ليكونوا الصورة التي كنت أتمنى أن أكونها؟

ربما لم يسرق أحد ملامحنا، نحن الذين تركنا بعضها على الطريق؛ عندما خفنا من رأي الناس، وغيّرنا أحلامنا لتناسبهم، وأخفينا اختلافنا حتى لا نبدو غرباء. ثم مضينا، وكبرنا، ونجحنا، وتعلمنا كيف نبدو بخير، بينما ظل شيء في الداخل يسأل: أين أنا؟

وربما تكون أعظم لحظة نضج في حياة الإنسان هي اللحظة التي يتوقف فيها عن سؤال العالم: «هل أعجبكم ما أصبحت؟»، ويبدأ، للمرة الأولى، بسؤال نفسه: «هل ما أصبحتُ عليه… يشبهني؟»