هل نملك حقًّا، كلما تقدّمت بنا سنوات العمر، القدرة على محو الذكريات المؤلمة؟ أم أننا نتشبث أحيانًا بذاكرتنا الجريحة، نجترّ أوجاعًا قديمة تقبع في أعماقنا، كأننا نخشى إن نسينا الألم أن نفقد جزءًا من هويتنا؟ أم أن اختيار التعافي قرارٌ يختلف من إنسان إلى آخر، بحسب عمق الندوب وما تركته عواصف الفقد والخذلان والقسوة في نفوسنا من أثر؟
أمام وطأة هذا التساؤل استحضرتُ روايةً للكاتبة الكويتية "بثينة العيسى"، يحمل غلافُها عنوانًا يختزل مفارقةً موجعة: (كبرتُ ونسيتُ أن أنسى)؛ فالمألوف أن يمنحنا التقدّم في العمر نعمة النسيان أو يخفف أثقال الماضي، غير أن بطلة الرواية كَبِرت لتجد نفسها عاجزةً عن محو الأثر، كأن السنين لم تزد جراحَها إلا رسوخًا.
والكاتبة هنا لا تبني حبكةً معقدة في تركيبتها، بل تعتمد أسلوب السهل الممتنع؛ لغةً تجمع بين البساطة والرمزية النفسية العميقة، متنقلةً بين الفصحى ولمساتٍ عفوية من العامية، مما جعل الرواية قريبةً إلى نفسي، ودفعني لأمسك قلمي الفسفوري وأتوقف متأملةً عند جملٍ لم تمرّ على قلبي مرورًا عابرًا.
للوهلة الأولى، قد يظن القارئ أن الرواية تدور في فلك النماذج المكررة عن قهر الأنثى وسلطة المجتمع الأبوي. غير أن الكاتبة تأخذنا ببراعة إلى ما هو أعمق وأخطر: سيكولوجية العنف النفسي ومصادرة الأمان؛ حين يبلغ كلاهما أقصى درجات القسوة.
تبدأ الحكاية بطفولة طبيعية لـ "فاطمة"؛ عالم بريء من الركض، ودمية صغيرة، وضحكات تتقاسمها مع رفيقتها "حياة" في كنف والدين يمثلان سقف الوجود والأمان والحب كأيّ أسرة سوية. وفجأة، ينهار هذا السقف الآمن أمام الحدث الأكثر فتكًا بأمان فاطمة، تلك الطفلة الصغيرة: إنه اليُتم. فجيعة الفقد التي لا تقتصر على غياب الجسد، بل تنقل الطفل قسرًا من دفء الاحتواء إلى دائرة الغربة حتى عن نفسه، حيث يسكن الفقد جنبات النفس ويتضخم، خاصةً إذا هيأت له الظروف بيئةً خصبة للنمو، كما حدث عند انتقال فاطمة إلى بيت أخيها غير الشقيق "صقر".
هنا تحديدًا، تواجه فاطمة أبشع أنواع الانتهاك النفسي: تجريدها المطلق من حق الاختيار، ومصادرة استقلاليتها الفطرية. فلم يكتفِ "صقر" بممارسة القسوة المُقنَّعة بفهم ديني مشوه يرى في براءة الطفولة عورة، وفي طموح الأنثى خطيئة، بل شرع في ممارسة "الوأد المعاصر"؛ وأد الأحلام، ومصادرة الحق في تقرير المصير، والحرمان من التعليم واللعب وتشكيل الأفكار.
إن حرمان الصغير من حقه الفطري في الاستقلالية وفق مرحلته العمرية هو تعطيل لنموه النفسي السوي، ليتحول مرور الوقت من فاعل في حياته إلى مفعول به يَئِنُّ تحت وطأة ترقب دائم وخوف مستمر.
لقد سُجنت فاطمة في سرداب حقيقي، تصفه بدقة موجعة: «كان السواد دامسًا، والرائحة تفضح التفسخ البطيء لمكان مات منذ زمن وما زال يتحلل على مهله.»
لكن المأساة لم تكن في جدران السرداب الإسمنتية، بل في "السرداب الداخلي" الذي استوطن نفس الطفلة بفعل التعنيف والتهميش ومصادرة طفولتها وأنوثتها.
ومن قلب هذه العتمة، يطلّ السؤال: كيف تنجو طفلةٌ سجينة من محبس كهذا؟ لقد جعلت الكاتبة طوق نجاة فاطمة يكمن في الوسيلة الأكثر نبلًا وتطهيرًا: الكتابة والشعر. فحين أُغلقت الأبواب وصُودِرَ التواصل الإنساني، لم تكن الكتابة ترفًا لغويًّا، بل تحولت إلى دواء شافٍ وتعافٍ ذاتي بالكتابة، ومساحة لاسترداد إنسانيتها المسلوبة وحماية الروح والجسد من الانهيار.
فعقل الإنسان في لحظات التهديد والقهر يتعطل منطقه التعبيري التلقائي، لكن فاطمة بموهبتها الفطرية عبر الشعر استطاعت تفكيك ألمها وتفريغ شحناتها المكبوتة، لتجعل من الكلمة حصانةً ودرعًا يقظًا يحمي جهازها النفسي من التلاشي والموت الإكلينيكي. نعم، كانت الكتابة أداة النجاة الكبرى التي وصفتها فاطمة بحق: «فائقة على الحياة، بل إنها تجاوز لها".
وحين ظنت فاطمة أن زواجها سيكون باب الخروج، اصطدمت بحقيقة أن السجان قد تتغير نبرة صوته وتلين ملامحه، لكن القيود تظل قيودًا إن بقي سقف الحرية مرهونًا بأهواء السجّان الجديد. فقد ظل حرمان فاطمة من إكمال تعليمها، ومصادرة حقها في نشر أشعارها، شبحًا يطاردها، حتى أخذ جسدها المنهك تحت وطأته يصرخ بصداع نصفي، وأرق، وعقاقير مهدئة؛ فالجسد ينطق بالمرض حين يعجز اللسان عن البوح والتعبير.
وبعد أن انتزعت فاطمة حريتها واستردت زمام إرادتها، بلغت أوج تعافيها النفسي في مشهد المواجهة مع أخيها "صقر" وهو طريح الفراش؛ فلم يكن عفوها انعكاسًا لمناعة نفسية ضد الانكسار أو الانتقام، بل جاء تجسيدًا لقمة النضج النفسي لطفلة نشأت في ظروف كظروف فاطمة. فالتسامح هنا لم يكن خضوعًا ولا نسيانًا، بل كان إعلانًا عن موت الخوف، واستردادًا حقيقيًا لما تبقى من حياتها، متجسدًا في كلماتها الحاسمة له: "أنت لا تستحق السماح، ولكنني أمنحه لأنني أستحقه؛ أمنحه لأتحرر من وطأة ماضيك، وأسترد ما تبقى من حياتي."
هذه العبارة على لسان فاطمة تؤكد أن الصفح عمن أساؤوا إلينا في أوقات ضعفنا، وخاصةً في مرحلة طفولتنا، لا يعني تبرئة أفعالهم ولا نسيان مظالمهم، بل يعني ببساطة: أن ننتزع مفتاح سلامنا الداخلي من أيديهم. إن الاستمرار في اجترار الألم، هو استمرار طوعي في سكنى ذلك السرداب حتى بعد أن فُتحت أبوابه.
أغلقتُ الرواية، ولم تتركني تفاصيلها أسيرةً لسرداب فاطمة، بل زادتني إصرارًا على المضي في الحياة بروح معافاة تتلمس النور. لقد كبرتُ وأدركتُ أن البطولة الحقيقية تكمن في أن أتذكّر ألّا أنسى ومضات الأمل التي أضاءت عتمة الطريق، وتلك الأيدي الدافئة التي ساندتني في عثراتي، ولحظات النجاح مهما بدت متواضعةً، وضحكات الفرح الصادقة مهما كانت بسيطةً، وأن قلوبنا وأرواحنا تظلّ شابةً معافاة مادمنا نتعلّم كيف نهدم سراديب الماضي في أعماقنا، وننحاز للنور والحياة.