كتب مالك عبيدات_ في لحظة دولية تتزاحم فيها الأزمات وتتراجع فيها قدرة المجتمع الدولي على إبقاء القضايا الكبرى في صدارة الاهتمام، جاءت كلمة جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة لتضع مسألة "الانتباه" في قلب النقاش السياسي والإنساني، وتربط بين ما يختار العالم أن يراه وما يقرر أن يفعله.
اللافت في خطاب جلالته أنه لم يتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها أزمة جديدة أو حدثا عابرا، بل وضعها في سياق سياسي وقانوني ممتد، محذرا من أن استمرار التعامل مع الانتهاكات باعتبارها أحداثا مؤقتة يؤدي في النهاية إلى تحويل الأمر الواقع إلى واقع دائم.
وفي واحدة من أكثر الرسائل وضوحا في الخطاب، تحدث الملك عن الضفة الغربية باعتبارها ساحة لممارسات مترابطة، وليس مجموعة من الأحداث المنفصلة، ووصف سياسة إجبار الفلسطينيين على مغادرة أرضهم بأنها "تهجير قسري"، مؤكدا أن ذلك يمثل جريمة حرب.
وتبرز أهمية هذه الرسالة في أنها لا تكتفي بوصف المعاناة الإنسانية، وإنما تضع المسؤولية السياسية والقانونية أمام المجتمع الدولي، وتطرح سؤالا مباشرا حول جدوى القانون الدولي إذا أمكن تجاهل انتهاكاته لعقود.
كما حمل الخطاب رسالة واضحة بشأن غزة، عندما تحدث جلالة الملك عن ضرورة تسمية الأمور بمسمياتها، محذرا من أن عدم انعكاس فداحة الأفعال على لغة الخطاب الدولي قد يؤدي إلى تطبيع ما كان يعتبر غير مقبول.
وفي البعد الأردني، لم يترك الخطاب مجالا للالتباس بشأن الثوابت المرتبطة بالأمن الوطني. فقد أكد جلالة الملك أن أي تهديد للحدود الشمالية أو للأمن المائي هو تهديد للأمن القومي الأردني، وأن المملكة ستواصل حماية أمنها ومياهها ومصالح شعبها.
وهذه الرسالة تكتسب أهمية خاصة في ظل التطورات الإقليمية المتسارعة، ولا سيما ما يجري في جنوب سوريا، حيث وضع الملك مسألة الأمن الأردني ضمن مسؤولية الدولة المباشرة، مع طرح تساؤل على المجتمع الدولي حول حدود التعامل مع أي نهج عدواني في المنطقة.
وفي ملف القدس، جدد جلالته التأكيد على الوصاية الهاشمية، وعلى الحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات الإسلامية والمسيحية، رابطا ذلك بدور الأردن في حماية الإرث الديني للمدينة المقدسة.
ولم يقتصر الخطاب على القضية الفلسطينية، بل قدم تصورا أوسع للدور الذي يريد الأردن أن يؤديه في الإقليم والعالم؛ دولة منفتحة على الحوار، متمسكة بمبادئها، وقادرة على العمل مع مختلف الأطراف الساعية إلى السلام.
ومن اللافت أيضا أن الملك ربط بين الأزمات العسكرية والإنسانية والتنموية، مؤكدا أن القوة العسكرية وحدها لا تطعم الجائعين، ولا تعيد المهجرين إلى ديارهم، ولا تبني السلام، ولا تقدم حلولا لتحديات الهجرة أو التغير التكنولوجي أو حماية الكوكب.
وبذلك انتقل الخطاب من توصيف الأزمة إلى طرح سؤال أوسع حول طبيعة النظام الدولي نفسه: هل يستطيع العالم أن يحول قراراته ومبادئه المعلنة إلى أفعال، أم تبقى القرارات "حبرا على ورق" عندما يتعلق الأمر ببعض الملفات؟
ولعل أكثر ما يميز الخطاب هو وحدته في ربط الملفات المختلفة؛ فلسطين، القدس، الأمن الإقليمي، المياه، الإرهاب، اللاجئون، السلام والقانون الدولي، ضمن رؤية واحدة تؤكد أن أمن الأردن لا يمكن فصله عن استقرار المنطقة، وأن السلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم على تجاهل جذور الصراع.
وفي ختام كلمته، عاد جلالة الملك إلى الفكرة المركزية التي بنى عليها خطابه: الانتباه. فالعالم، بحسب الرسالة التي حملتها الكلمة، لا يُحاسب فقط على ما يفعله، وإنما أيضا على ما يختار تجاهله.
وفي وقت تتنافس فيه الأزمات على اهتمام العالم، حمل خطاب الأردن رسالة مباشرة: لا ينبغي أن يسمح ازدحام الأحداث بتحويل القضية الفلسطينية إلى قضية هامشية، ولا ينبغي أن يؤدي تكرار الانتهاكات إلى جعلها أمرا عاديا، ولا أن تتحول القرارات الدولية إلى مجرد نصوص بلا أثر.
وهكذا جاء خطاب الأردن أمام الجمعية العامة ليضع المسؤولية أمام المجتمع الدولي بوضوح: المطلوب ليس مزيدا من البيانات والقرارات فحسب، وإنما إرادة سياسية تترجم المبادئ والقانون الدولي إلى خطوات عملية تحفظ حقوق الشعوب وتصون الأمن والاستقرار وتفتح الطريق أمام سلام عادل ودائم.