بين فجيعة الاعتداء على المصلين الآمنين داخل كنيسة في بلدة حمود بمحافظة الكرك، وبين الألم النازف اليوم على استشهاد العريف جواد علي خلف السلايطة أثناء تأديته لواجبه الشرفي في العاصمة عمّان، تترك كل فاجعة خلفها عائلات مكلومة، وبيوتاً تغيرت ملامحها للأبد، ووطناً بأسره يتطلع إلى إجراءات حاسمة تضمن ألا تتكرر هذه المآسي.
إن مشاعر الألم والغضب الشعبية المشروعة تحتم علينا جميعاً – أفراداً ومؤسسات – الانتقال الفوري من دائرة ردود الفعل إلى مربّع الفعل المؤسسي الواعي. وفي مقدمة هذا التحرك، تبرز الحاجة الملحة لتقييم شامل وجاد لمنظومة التشريعات الوطنية المرتبطة بمكافحة الإرهاب وحماية الأرواح، لتكون سلامة المواطنين وحياة أبناء هذا الوطن هي المعيار الأساسي الذي تُقاس به كفاية القوانين وفاعلية تطبيقها على أرض الواقع.
وحين نناقش تشديد المنظومة القانونية، ينبغي الانطلاق من أرضية دقيقة؛ فـقانون منع الإرهاب النافذ ينص بوضوح على عقوبة الإعدام إذا أفضى العمل الإرهابي إلى الوفاة. من هنا، فإن الحديث المجرد عن "رفع السقف" لم يعد كافياً، بل يجب أن يتسع ليشمل مراجعة نقدية وهيكلية للمنظومة القانونية برمتها، بدءاً من العقوبات المفروضة على الأفعال الممهدة للجريمة، مروراً بأحكام التكرار والعود الجرمي، وصولاً إلى ضوابط التخفيف، وآليات التنفيذ، وبرامج المتابعة والمراقبة اللاحقة بعد انقضاء فترة المحكومية.
إن شبكة الإجرام الإرهابي لا تبدأ لحظة التنفيذ، بل تسبقها حلقات متعددة من التجنيد، والتحريض على العنف، والتمويل، واللوجستيات والتسهيل. ولذلك، تقتضي الضرورة مراجعة الحدود الدنيا للعقوبات في هذه الجرائم والمطالبة بتشديدها حيثما يثبت القصور، لضمان تناسب العقوبة مع جسامة وخطورة الفعل، ومحاسبة كل من أسهم في صناعة الجريمة بالمال أو السلاح أو الفكر، كلٌّ حسب دوره والأدلة الثابتة بحقه.
كما تستوجب المرحلة تدقيقاً شفافاً في أحكام التخفيف القضائي واحتساب مدد العقوبات وتنفيذها، لكشف أي ثغرات تشريعية محتملة ومعالجتها استناداً إلى بيانات وقراءات قضائية موضوعية. ولا يقل عن ذلك أهميةً التعامل الحازم مع ملفات العودة إلى العنف، عبر تقييمات مهنية دقيقة لخطر التكرار، وتفعيل برامج تأهيل إصلاحية تقاس نتائجها بمؤشرات حقيقية، إلى جانب تدابير رقابية وقضائية واضحة ومحددة المدة لمن انتهت محكوميتهم.
ولأن العدالة الناجزة هي أساس الملك وقوة الدول، يجب تمكين السلطة القضائية بالخبرات والكفاءات واللوجستيات التي تسريع البت في هذه القضايا الحساسة، مع صيانة تامة لضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع. إن قوة الدولة تتجلى بوضوح في قدرتها على إنفاذ القانون برصانة، وحماية حقوق الضحايا، ومحاسبة الجناة دون تسرّع أو تكهن.
وفي خضم هذه المراجعة التشريعية والمؤسسية، يظل المبدأ الدستوري والقانوني راسخاً: المسؤولية فردية وحدها. فلا يجوز بأي حال تحميل عائلة أو عشيرة أو منطقة بأسرها وزر جريمة ارتكبها شخص واحد، ولا السماح بفتح الباب أمام العقاب الجماعي على أساس الهوية أو القرابة. فالأبرياء الذين استُهدفوا في الكرك هم أردنيون، ورجل الأمن الذي روت دماؤه أرض عمّان هو ابن لكل أردني، وحقهم جميعاً في الحياة والأمان هو حق متساوٍ ومصون لا يحتمل المساومة.
إن المطلوب اليوم خارطة طريق واضحة المعالم: حكومة تباشر مراجعة قانونية بمدد زمنية محددة، ومجلس أمة يتولى مناقشة مخرجاتها وإقرار التعديلات اللازمة بكل جرأة، وجهات رسمية تشرح للرأي العام تفاصيل ما تم تعديله وكيف سينعكس على تعزيز منظومة الحماية والمحاسبة.
إن دماء الأردنيين ليست محطات عابرة، وهي تستحق تشريعات صارمة، وتنفيذًا لا يحابي أحداً، ويقظة وطنية لا تنطفئ بانتهاء موجة الحزن. والوفاء للشهداء الحقيقي لا يكون إلا بإجراءات وقرارات شجاعة تحمي من بقي، وتصون أمن هذا الوطن وحق أبنائه الأبرياء في الحياة بسلام.