جوهرة العرب / ماجد عبدالله الخالدي
لم اكن مترددا عندما قررت كتابة هذا المقال .. لا سيما وأن الذكرى التي دعت لكتابة المقال تستفز قلبي بشعور لم افهمه حتى هذا اللحظة .. فمنذ اول مرة سمعت بها اسم "وصفي التل" قبل خمسة عشر عاما وانا اعيش الشعور ذاته عندما تصل اوراق الروزنامة إلى الثامن والعشرين من تشرين الثاني .. بل وان هذا الشعور يتزايد بعلاقة طردية مع السنوات .. فكلما مر عام يكبر الشعور بقلبي ويتمسك به أكثر .
وصفي والذكرى والكرسي فارغ .. ارتبطت هذه الكلمات بعقلي حتى أصبحت جملة هي الأصح بقاموس حياتي .. بل وترسخت حتى أصبحت ضمن المبادئ التي التزمت بها جديا بحياتي .. وتعلمت من والدي أن المبادئ ثوابت لا تقبل التغيير أو التعديل حتى .. كما تعلمت منه أن وصفي كان أيقونة وطنية وقومية لن تتكرر .. حدثني والدي عن وصفي وكنت اعتقد لوهلة أنه أسطورة من اساطير الخيال .. ليس تعجبا من الحال الذي كان عليه وصفي .. إنما لعمق الفارق الذي رأيته ما بين وصفي وكل من تسلم ذلك الكرسي من بعده .. آمنت أن وصفي الذكرى الاكثر وجعا لشدة جمال تلك الذكرى .. والكرسي لا يزال فارغا .
وكما اعتدت في كل صباح من صباحات الثامن والعشرين من تشرين الثاني .. ذلك اليوم الذي أذهب به بعيدا عن الواقع وارحل به الى ذكريات لم اكن قد خلقت حينها .. ولكنني عايشتها بمخيلتي وكأنني ابن ذلك الزمان الذي كان جميلا بحضرة الرئيس وصفي .. اعتدت أن استمع لمجموعة من الكلمات التي تدمع عيني .. كموجعة سلوى العاص التي تغنت بها برئيس الوزراء الانقى والاعظم في وطني على مر السنين .. ومرثية عبدو موسى التي رثى بها الطعنة الكبرى التي أصابت خاصرة القومية العربية .. رحيل وصفي والكرسي ما زال فارغ .
ورغم أن الجسد رحل .. والنعش ما يزال .. ورغم أن الذكرى تحيا في قلوبنا بكل الايام والأوقات .. وتنهار المشاعر والأحزان بالثامن والعشرين من تشرين الثاني .. وبالرغم من أن الوجع يكبر والوطن يصبر .. الا أن المقعد الشاغر يذكرنا دوما بأن النساء لن تلد مثل وصفي .. وان المعجزات انتهت مع غروب شمس العروبة في الثامن والعشرين من تشرين الثاني لعام الواحد والسبعين بعد الف وتسعمئة .