منذ ما يزيد عن عقدين من الزمن وكاتب هذه السطور مغتربا بعيدا عن مدينة السلام حيث ولد وعاش طفولته وبداية شبابه وسط اهله وأحبته وأصدقائه، وكحال العديد من شبان مدينة السلام بدأ رحلة البحث عن الذات بعيدا محملا بالعديد من الطموحات، وكانت سنغافورة أحد أبرز المحطات خلال تلك الرحلات وفيها الكثير مما يستحق الإشارة إليه من إيجابيات وحتى سلبيات ليس من المستحيل إستنساخها والإستفادة منها خصوصا أن مدينة السلام لازالت تبحث عن ذاتها منذ قديم الزمان وقد جرب كبارها محاكاة قصص الأخرين ولكن هيهات وهيات، فلم تعد تراوح مكانها كما في الماضي بل وتراجعت كثيرا عن ما وصلت إلية في فترة الثمانينات!
في سنغافورة فإن القانون والإنسان هما الثروة القومية الكبرى التي نقلت تلك البلاد من حال إلى حال ومن خلاله فإن الموظف يحصل على أحد أعلى معدلات الدخل في العالم ومن خلال التجارة بأنماط عديدة أصبحت تلك البلاد الصغيرة المساحة الكبيرة في مفعولها وأهميتها جاذبه للعديد من رؤوس الأموال في العالم وأصبحت دولة منافسه في الأسواق من خلال صادراتها وخصوصا في مجال الإلكترونيات وأيضا هي دولة بارزه في شرق أسيا بإعادة التصدير (الوارد يصبح منتج أخر للتصدير) للعديد من المنتجات البسيطه والكبيره في أن واحد، ولابد من الحديث عن السياحه التي تشكل أحد أهم موارد تلك الدولة الأسيوية، و يعتبر مطار تشانغي تحفة فنية بكل معنى الكلمة سواء من حيث المناظر الخلابة التي تجعلك كزائر تتمنى أن تتوقف بك عقارب الساعه لكي تتمتع بهذا السحر الأسيوي الفريد من نوعه وأيضا قد لا تجد مثل تلك اللطافة والأدب في حسن الإستقبال وسلاسة الإجراءات، وللأمانة فلا يمكن إغفال الدور المهم الذي لعبه موقع الميناء التجاري في تلك الحركة التجاريه ولكن أيضا ليس الموقع فحسب، بل والقانون والإنسان!
القانون والإنسان موجودان طبعا في مدينة السلام، ومقومات الحركة التجارية والصناعبة أيضا متوفران، مقومات السياحة هنا تفوق سنغافورة أيضا، فهل تعلم عزيزي القارىء أنه حتى الإعتدال المناخي في مدينة السلام مرتكز هائل للسياحه تمتاز به مدينة السلام عن سنغافوره، ولكن ! والمطار جميل بل وبمصداقية أقول أن الإستقبال أيضا جميل ولائق والميناء في موقع إستراتيجي أيضا وأيضا! كل هذا متوفر في مدينة السلام فلماذا هذا الفارق الهائل بين حال سنغافورة وحال المساكين أهل مدينة السلام؟ هذا السؤال الذي يندرج تحت منطق السهل الممتنع، هو ما يسألني عنه دائما أهلي وأحبتي وأصدقائي عندما أعود وكلي حنين أعود في إجازة لربوع مدينة السلام، والإجابة لكي تكون سهلة سأختصرها في مثالين:
من النادر لدرجة أقرب للإستحالة أن تجد عامل نظافة في الشوارع، فإلقاء أي نوع من القمامة هي مخالفة سيتم تغريمك عليها ولا يوجد إستثناءات وواسطات! هنا الحديث عن سنغافوره طبعا وليس عن مدينة السلام وعلى سبيل المثال لا الحصر فإن عقوبة التدخين أثناء المشي في الشوارع غرامتها 200 دولار سنغافوري وهو ما يعادل 105 دينار أردني، مع الأخذ بعين الإعتبار توفر أماكن مخصصه للتدخين في الشوارع، والعقوبة لا يوجد فيها إستثناءات أبدا، ويوما ما طبقت على شاب من مدينة السلام مر من هناك، طبعا ليس كاتب هذه الكلمات، فهو غير مدخن.
المثال الثاني يتعلق بما يسمى عطاءات تنفيذ الشوارع فالعطاء يفوز به ثلاث شركات كحد أقصى للخلطة الأسفلتيه ولشبكتي الصرف الصحي والأمطار من ناحية والكهرباء بمختلف أنواعها من ناحية أخرى والملفت للنظر هو الكفالة التي تمتد لمدة 30 عام، تخيل يا رعاك الله! وجميع المناهل بحجم من 10 إلى 20 سنتيميتر ولا يسمح لشركات حديثه بدخول التنافس اصلا، أحد المتطلبات أن تكون عريقة! أكرر أن الحديث هنا عن سنغافوره وليس عن مدينة السلام!
القانون والإنسان هما أساس مايحدث من تطور ونمو في سنغافوره وأيضا هما أساس الإنتكاسات في مدينة السلام، والقانون في سنغافورة ينطبق على الجميع وعند كاتب هذه السطور شواهد عديده عايشها هناك كواقع.
نموذج سنغافوره ليس مستحيلا، وإنتكاسات مدينة السلام يشترك فيها المواطن الغلبان والمسؤول البهلوان!
وستبقى يا وطني في قلبي جميل مهما كانت الحقيقة مره!