هكذا استقبلت غادة بالأمس روحي .. بعد أن جئت إليها منهكا من صراع قد قررت خوضه مجبرا وخرجت منه خاسرا .. قالت لي : انا مثلك .. "في البداية جئت اغني .. فقالوا إنني أحيك مؤامرة .. لأنني الصق جراحي بكل جرح ألقاه" .
عانقتني بالكلمات كما لو أنها امي .. وأخذت تطبطب على كتفي محاولة هز القوة لتحيا .. كمثل عملية انعاش من طبيب يعلم يقينا أن المريض قد وصل اليه جثة هامدة .. ولكنه يواصل الانعاش اخلاصا لمبادئه العملية والإنسانية .
أيقنت شيئا .. لقد رأيت الدمع في عينيها كلما حاولت مواساتي .. لم تكن دموع شفقة .. إنما لمست وجعا يراودها على نفسها .. وكأن الجراح تجددت لديها لمجرد أن تلوت عليها جراحي .. وكانت بالدموع تندب .. كيف يواسي الجريح جريحا ؟! .
أخبريني عن حزنك غادة .. قلت هذه الكلمات ورأيت بعينيها الحسرة .. قالت لي بنبرة الوجع : "حزن العشاق الناضجين لا يشبه في عمقه حزن" وتابعت قائلة : "حين كنت أفكر بفراقنا المحتوم يبكي البكاء طويلا ويشهق بالحسرة .. بالحسرة بالحسرة بالحسرة" .
وماذا عن الالم ؟ قالت : "ذلك الالم الدقيق الذي لا اسم له ولا تبرير يخترقنـي حتى العظم بلحظاته العابرة الكاوية" .. واستطردت : "أودعه وأعود الى حروفي .. ألفها جبيره حول اعضاء ايامي التي كسرتها الخيبة .. وحدها عكازي في مسيرة النسيان .. أين كانوا في ذلك المساء حين شاهدت آخر عود ثقاب في العالم ينطفيء وكنت وحدي" قلت لها : هل تجاوزت الالم ؟ قالت : "سأنمو فوق آلامي.. وأنتشر كالعشب داخل أرض آلام الآخرين" .
سألتها عن جرحها .. كيف تجاوزته .. وكيف تناسته .. قلت لها : أخبريني غادة .. لعلي اجد من تجربتك ما يساعدني على تخطي ما تعرضت له .. فأجابت : "جرحي اكثر عمقاً من أن أواجهه .. وأكثر نزفاً من ان اجرؤ على فك الضمادات عنه" .. وكأنها تبشرني بأن جرحي أيضا صعب المواجهة ومن الحماقة أن أفكر كيف أفك الضمادات عنه !! .
تكمل حديثها : "مريضةٌ بالحياة .. مريضةٌ بفظاعة ما يدور .. ولو أدخلوني غرفة أشعّة والتقطوا صورة لصدري لوجدوا فيه وطنا يبكي" .. تلك هي المقولة التي جعلتني اتوقف عن البكاء وعن التفكير .. لا شيئ يشغل بالي الا هذه المقولة .. فظاعة ما يدور !! وكأن هذه القناعة سببت لي المعاناة أيضا .. لم تكون غادة وحدها ضحية تلك الفظاعة .
ثم بدأ الحديث يأخذ منحنى آخر .. من الوجع إلى النصائح .. ومن المواساة إلى الحكم التي وجب علينا الالتزام بها لتجاوز ما تعرضنا له من صدمات .. قالت لي : "من حق البوم أن يتشاءم هو من البشر" .
كدت اغفى أثناء حديثها .. فقالت لي كلمة أعادت لي صحوتي : "ها أنا أخيراً أغمض عيني لأصحو على أطلال الذكريات المسكونة بالألم .. الغارقة بالوجع والدموع والانهيار والحنان المُدمِرْ" .. تلك المقولة تسببت لي بالخوف .. وبدأت الأفكار تتوارد على عقلي .. ترى .. على ماذا سأصحو انا ؟! وماذا ينتظرني بعد تلك الليلة التي اعتقدت عنوانا أنها ستمضي ؟! .. أجابت على حديث أفكاري قائلة : انت مثلي .. وانا "ذات ليلة سأموت بنزيف داخلي.. في الذاكرة" .
*تنويه : كل ما يظهر من محادثات في النص هي محادثات افتراضية وليست واقعية .