انتظرتها لساعات ولم تأت .. ورحت ابحث عنها بتلك الاماكن التي أخبرتني عنها مسبقا .. أسير في الطريق وانا على يقين بأنها هناك .. ولكن ما أن صرت على النقطة التي تجمع الطرق وأصبحت على المفترق حتى بدأت احير .. ترى في أي طريق ستكون ؟ ليل الغرباء ام القمر المربع ؟ ام رسائل الحنين الى الياسمين ؟ اه وجدتها .. قال عقلي هذه الفكرة .. أنها على طريق الحب من الوريد الى الوريد .
مشيت الطريق مثل تائه لا يعلم إلى اين يسير .. وانا العب مع نفسي لعبة تقطيع ورقات الورود .. ولكن بدل من الوردة قطعت دقائق الساعة .. انظر الى الساعة وما أن قارب عقرب الدقائق على البداية حتى انطق : سأجدها هنا .. ثم اراقب العقرب ذاته ليكمل الدورة .. ثم اقول قولا مناقضا لما قلته قبل دقيقة : لن اجدها !! هكذا حتى أمضيت الساعتين .
على اطلال طريق الحب من الوريد الى الوريد وجدت غادة جالسة لوحدها وتتحدث .. كانت تعاتب الغائب الحاضر .. سمعتها تقول :
"ألتقيك .. وأحبك .. وأودعك
في لحظة واحدة ، كثيفة ، مرهفة
تخترق فيها حواسي عبر الدهاليز السرية للذاكرة ..
تراك تفكر بي في هذه اللحظة و تقول: هجرتني الغادرة ؟
كان عليَّ أن أهجرك .. لألتقيك ..
صخبك كان يشوش حواسي ..
وجسدك يخدرني ..
واللقاء كان زوبعة ألعاب نارية .. داخل رأسي ..
وكان لا مفر من الفراق الجميل ..
كي ينتابني هذا الاحساس الجميل : لقد أحببتك ! ” .
قلت لها : غادة .. انتظرتك ولم تأتين لي كما كان الموعد بيننا ..
فقالت دونما تنظر لتعرف من يتحدث :
"ذات يوم ..
كنتُ مخلوقاً كونياً متفتحاً ..
كلوحة من الضوء الحي ..
يهديك كل ما منحته الطبيعة من توق وجنون ..
دونما مناقصات رسمية ..
أو مزادات علنية ..
وخارج الإطارات كلها ..
وذلك الأحمق الغالي ..
كسر اللوحة ..
واستحضر خبراء الاطارات ؟
أنصتُ إلى اللحن نفسه
وأتذكره ..
يوم كان رأسي طافيا فوق صدره
وكانت اللحظة ،لحظة خلود صغيرة
وفي لحظات الخلود الصغيرة تلك
لا تعي معنى عبارة "ذكرى”
كما لا يعي الطفل لحظة ولادته ..
موته المحتوم ذات يوم ..”
دون اي تعقيب على ما قالت .. قلت لها : ماذا تفعلين هنا !! قالت : جئت ” اتابع ركضي في وعر الحياة اليومية .. واخفي وجهي خلف قناع المجاملة .. كي لا يروا أبخرة نيراني الدفينة .. المنبعثة عبر شقوق عيني و أنفي .. وبقية منافذ الجمجمة المعلبة بالعذاب” .
عاتبتها قائلا : غادة .. لم تخبريني عن هذا من قبل .. ما كنت أرى إلا الابتسامة والفرح .. أيعقل أن يكون هذا الفرح قناع ؟ والإبتسامة "خدعة سحرية” لتخفي ما اقترفته الايام من جرائم في الاعماق ؟!
أجابت : ” أخفيت سري باتقان .. ولعبت دوري باتقان .. كنت مزيفة الفرح كضيفة في عرس ثري .. ضاجة كطبل .. وأعماقي خرساء كوجات الأعماق .. و تمزقني اللعبة وأشعر بالضآلة والخلسة .. وبوخزات مبهمة ساخرة .. وبأحداق مسحورة ظل تطل عليّ من السقف حين أخلو إلى نفسي .. ترمقني بنظرات الاحتقار المستخف .. و يخيل إليَّ و أنا أنظر إلى المرآة .. أنها تغطي وجه المرآة ..أم وجهي ؟” .
ثم لبرهة من الوقت ساد الصمت .. ثم سمعت صدى صوت لسؤالي : ماذا بعد ذلك حدث ؟ قالت : "صار الصمت .. هو التعبير الوحيد الممكن عن الصدق .. وصار الانتحار ، هو الازدهار الوحيد المتبقى .. وصار الجرح بشفتيه الداميتين .. الابتسامة الوحيدة المتبقية لي” .
تعجبت من عودة الصمت .. فتابعت السرد وقالت :
"عشت طيلة شهور وحيدة .. جائعة
في مدينة يسكنها الرعب
والجرحى والذباب
ومشيت وحيدة .. وجائعة
على أرصفة مفروشة بالامعاء الممزقة
لأسرق الخبز و الماء …
ومت وحيدة عدة مرات
دون أن يأتي صوتك ليسأل :
كيف صحتك ؟ كيف موتك ؟
أين أنت ؟ أين قبرك ؟
حتى جاءت الحرب …”
قلت لها : الحرب غادة .. فلنتوقف هنا عند الحرب .. فأنا جريح معركة .. وقتيل منازلة .. وانا هزيم موقعة ..
قالت : "خرجت من الحرب امرأة اخرى ..
غادرت موتي امرأة اخرى ..
وخلقتك هناك على تل البقايا
مع كومة من القذائف الفارغة
تصفر ريح الليل عبرها …
لقد طهرتني النار منك ، و الجوع ..
وتولى عذاب الجوع غسيل دماغي
من عذابك !! …”
قلت : لكن في معضلتي .. انتهت الحرب .. ولم يتوقف الجرح عن النزف بعد .. وراحت الجيوش بحال سبيلها .. ولم تشفى الاوجاع بعد .. فماذا عساني افعل اليوم للتخلص من اثار الدمار التي خلفتها الحرب في أعماقي ؟ .
قالت : اجعل أحزانك تتدفق كالمطر الصيفي .. لتشغيل عن روحك أكذوبة حبهم .. وحولهم في قلبك إلى الحجم الحقيقي .. "كما حولته الحرب في قلبي .. إلى حجمه الحقيقي :طلقة مبتلة !! ..”