رئيس التحرير : خالد خطار
آخر الأخبار

إنتحار غير مُعلن.....! كتبت الدكتورة مجد خليل القبالين

إنتحار غير مُعلن.....! كتبت الدكتورة مجد خليل القبالين
جوهرة العرب - الدكتورة مجد خليل القبالين
دكتوراه علم إجتماع / علم الجريمة. 

استفتح موضوعي بمقولة للأديب والناقد والروائي السعودي عبد الرحمن مُنيف يقول فيها ....
" لو أن الموت أو الإحساس بالموت يكون قريباً وقوياً بالنسبة للبشر كما هو فعلاً  لأصبح الإنسان أرقى ، لكن أكثر براعات هذا المخلوق كيف ينسى أن الموت قريب منه هكذا".
نحن نعيش على كف عفريت عندما نبني حياتنا ونمضي بها ولا نضمن أعمارنا ولا نعلم بالغيب ، وقد ينهدم كُل شيء بنيناه في أي لحظة سواءً لأسباب لنا يد فيها أو لأسباب أخرى مُتعلِقة بإرادة الله والقضاء والقدر ، وقد نموت في أي لحظة ، البعض قد يظن أنني أقول أن نعيش في حالة من اليأس والإحباط وننتظر الموت.
كم ترعبني فكرة أن أجعل لي إمتداداً يتمثل بالذُرية وأنا مُدركةً تماماً أن عُمري غير مضمون وقد ينتهي في أي لحظة ، 
أحياناً أشعُر أننا نعيش على كف عفريت وأحياناً أخرى أشعر أننا نعيش في حالة من ......الإنتحار غير المُعلن .......
كم تُرعبني فكرة التفكير بما سيؤول إليه حالُنا في المُستقبل،  إذا كُنا من الآن نستهجن حالُنا ولا نشعُر بالرضى عنه .
وكم تُغريني فكرة العُزلة عن الجميع .....عن الأشخاص.....عن الحياة وصخبها وقذاراتها .......وعن مواقف الحياة ومايُرافقها من رواسب وأتربه.
وكم تُزعجني فكرة أن أكون مُجبرةً على التعامُل مع أشخاص لا أريد التعامُل معهُم.
وكم أشعر أنني أصبحت بالوناً من الهواء فارغاً من الداخل ، والأكثر غرابةً أنني أشعُر بالراحة النفسية أكثر عندما وصلت لمرحلة اللامُبالاة بالكثير من الأشخاص والمواقف ومشاكل الحياة.......فصدق من قال أن عدم الإحساس أحياناً نعمةً لنا.
وكم تُرعبني فكرة أن يُنجب الإنسان طفلاً على مُجتمعٍ موبوء. 
السجن الحقيقي ليس بجدار أو سورٍ عالِ وزنزانه من حديد .....بل السجن الحقيقي ...
أن تعيش في مُجتمعاً يُعاني أزمة أخلاق ، ويشكوا الطفح الجلدي المُتأزِم بكُل أنساقه بل يتجاوز الأمر ليصل إلى مرحلة العيش على صفيحٍ ساخن.
وتعيش في ظروف لا تُريد العيش وسطها. 
وأن تُمارِس مهنةً وعملاً أنت لست مُقتنع بهما. 
وأن تعيش في مكاناً تشعُر أنه لا يصلُح للعيش لك.
لستُ إمرأةً تُطالِب بالعيش في المدينه الفاضلة ولكن نحنُ نستطيع إستصاغة نصف الكأس عندما يكون هنالك نصفاً مُمتلىء ، ولكننا لا نستطيع أن نستصيغ أكثر من نصف الكأس الفارغ......حينها سيبدأ شعورنا بالاغتراب والوحدة يرتفع منسوبهما.
لا أعرف ماذا اسمي تلك الحالة .....
هل هي علامات الشيخوخه المُتقدِمة نفسياً وقلبياً وروحياً أم أنها حالة مؤقته عابرة كنتيجة لسلسلة وتاريخ حافل من خيبات الأمل والخُذلان من قبل الكثيرون.
أعتقد أننا بحاجة في الكثير من الأوقات أن لا نكترث بالكثير من الأمور السلبية في حياتنا فلو استوقفنا عند كل موقف لن نرتاح في حياتنا أبداً بالرغم من أنني لا أؤمن بفكرة وجود الراحة في هذه الحياة.
إنني اشعُر أنني وصلت إلى مرحلة...
"الانتحار غير المُعلن"........
ولكنه يختلف عن الانتحار المُتعارف عليه بيننا بأنه إنتحاراً فرضته قسوة الحياة وبشاعتها وليس بإرادتنا أو إختيارنا وأسميته بالإنتحار غير المُعلن ؛ لأن العُزلة والوحدة والإنطواء كُل ذلك يُعتبر انتحاراً وإنسحاباً من الحياة ولكنه إنسحاباً نفسياً وروحياً فقط لا يُصاحبه موت الجسد.......فأنت موجوداً بجسدك ولكنك مُنتحِراً نفسياً وروحياً ........ وتتأزم المُشكلة إذا أصبح إنتحاراً عاطفياً .....ففي كُلِ مرةً تُخذَل فيها بقسوة من أحدهم سوف تفقد قطعة من قلبك....... حتى يحين اليوم الذي تُلملِم فيه بقاياك وتُقرِر فيها العُزلة والإنطواء وتنتظر قدوم الموت الأكبر .
الإنتحار غير المُعلن أشدُ قسوةً وفتكاً بنا من الإنتحار المُعلن بالرغم أنه لا يُسّجل غيابك وانسحابك من خلاله في قائمة.....
الكفرة.
أكبر خدعه نعيشها أننا نعيش حياة نهايتها الموت ونحن في الحقيقة نموت كل يوم لمجرد خوفنا من المُستقبل ونخاف من كل ماهو مجهول.
وأختتم موضوعي بمقولة ل الطبيب والكاتب المسرحي الروسي أنطوان تشيخوف.....
" مع الموت ستكون أنت الرابح الأكبر ، فلا حاجة للهث وراء الطعام ولا الشراب ، ولا حاجة لدفع الضرائب ، ولا حاجة أبداً للجدال مع الآخرين وبما أنك ستمكث في قبرك لمئات أو آلاف  السنين فإن الفائدة العائدة من موتك لا تُقدر بثمن ".
  • إنتحار غير مُعلن.....! كتبت الدكتورة مجد خليل القبالين