8/4/2020 - في ظل الحدث العالمي وجائحة (كوفيد 19 ) _كورونا وما نتج عنها من أعداد هائلة غصيبت بالعدوى والتي تجاوزت المليون وأربعمائة ألف إنسان و وفيات تجاوزت 84 ألف إنسان على مستوى العالم حتى كتابة هذا المقال ، فقد هرعت الدول ومنها المملكة الأردنية الهاشمية تتعامل مع الجائحة باتخاذ سياسات وقرارات لمجابهة هذا الفايروس الذي وبرغم ضآلة حجمه تحدى جبروت الإنسان وغطرسته ، وها هو يودي _ تحت إرادة الله _ بالآلاف من الأرواح يوميا من سكان البسيطة وقد عجز جبروتها امامه .
ولقد تفاوتت الدول في كيفية إدارتها للأزمة فمنها من أهمل آخذا بقاعدة العظمة وآهم بالقوة المادية فتأخر في إجراءاته الاحترازية ، ومنها من أخذ بالخطوات الاستباقية ولقد كانت الأردن من الدول الرائدة في اتخاذ التدابير الوقائية قبل وصول الجائحة وعلى ضوء المعطيات اليومية والإصابات المتتالية فقرر جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم العمل بقانون الدفاع بعد قرار من مجلس الوزراء عملا بنص المادة 2 من قانون الدفاع وانسجاما مع الدستور المادة 124 لكون حالة الضرورة تستوجب مزيدا من الإجراءات الواجب اتخاذها تجنبا للضرر المحتمل من الاختلاط ومسيرة الحياة اليومية وتجنبا لاحتمالية عدم التزام بعض المواطنين بشروط وتعليمات السلامة العامة مما يزيد انتشار الوباء بين المواطنين .
كل ذلك خطوة استباقية وقائية من جهة ووسيلة فعالة لمحاصرة البؤر الساخنة المصابة بالحد من حركة المواطن ومنع الاختلاط المباشر قدر الإمكان ، فكانت النتائج عظيمة _ مقارنة مع دول أخرى _ نتيجة للقرار الصائب حيث يحقق الغاية المرتجاة .
وهنا ظهرت التساؤلات حول مفهوم قانون الدفاع وما يترتب عليه ، وأثره على القوانين المدنية المطبقة في الدولة على إثر عدم التزام عدد من الناس بتوجيهات الجهات المعنية بمواجهة الفايروس بكسر الحجر أو عدم التقيد بالتعهد بالتزام الحجر المنزلي أو اللجوء إلى الجهات الطبية عند الاشتباه بالمرض علاوة على قيام البعض بالتنزه تارة والتجمع وقيادة والمركبات بدون مبرر أو تصريح خلافا للقواعد المعلن عنها تارة أخرى ، فظهرت دعوات بأصوات عالية من المواطنين يطلبون إعلان الأحكام العرفية وهنا وردت الكثير من الأسئلة حول مفهوم الأحكام العرفية والفرق بينها وبين قانون الدفاع ، فكان لابد من التوضيح بشكل ميسر غير مخل يوصل السائل إلى مبتغاه .
ابتداء ، فمن المعلوم أن الدستور قد كفل الحقوق والحريات كحق التنقل والعمل والتملك والعبادة والتعلم وغيرها الكثير من الحقوق وأعطى سقوفا عالية للصحافة والإعلام نص على ذلك كله في المواد من 6 _ 16 من الدستور إلا أنه أورد في المادة 15 استثناءات تحدد وتفرض الرقابة على الصحافة والإعلام في حالات الطوارئ والدفاع الوطني وهذه الحقوق مصانه محمية بموجب تشريعات تنظمها على أن هذه القرارات الصادرة بموجب قانون الدفاع تقدم على أحكام أي قانون آخر وهي أيضا قابلة للطعن بها لدى المحكمة الإدارية وتبقى تحت سلطة أحكام الدستور .
لقد صدر قانون الدفاع الأردني المعمول به حاليا في عام 1992 والذي نص في المادة 13 منه على إلغاء قانون الدفاع السابق والصادر عام 1935 في عهد الإمارة حيث كانت تحت الانتداب البريطاني ، وعندما نقول قانون فإننا نعني تشريعا مستقلا بذاته مر بمراحله الدستورية التشريعية ومجلس الأمه حتى صادق عليه جلالة الملك ، وقد فصل الدستور حالات اللجوء إليه في المادة 124 ، كذلك المادة 2 من قانون الدفاع وهي الحالات الطارئة التي تمس السلامة العامة والصحة والأمن لا يمكن للقوانين المدنية أن تجابهها كالحروب والأوبئة على أنه يتوجب تحديد سبب العمل بقانون الدفاع ؛ وفي الظرف العالمي فإن وباء كورونا الذي هدد أمن البشرية هو الدافع ، وتكون القرارات الصادرة بموجب قانون الدفاع هي بيد الشخص الذي يحدده القانون وقد انيطت برئيس الوزراء في القانون الدفاع الاردني .
هذا وقد سبق إعلان العمل بقانون الدفاع في عام 1957 ثم تم إعلان حالة الأحكام العرفية في عام 1967 والتي استمرت إلى أن صدرت الإرادة الملكية بوقف العمل بالأحكام العرفية في عام 1992 .
في حين لا يوجد للأحكام العرفية قانون مستقل بحد ذاته وإنما هو قرار وإعلان يصدر بإرادة ملكية بقوة الدستور وفقا لقرار مجلس الوزراء نظرا لظروف طارئة خطيرة ليس بإمكان القوانين المدنية وقانون الدفاع أن يحقق الحماية الوطنية المبتغاة وللملك بعد إعلان الأحكام العرفية أن يصدر التعليمات اللازمة لتنفيذ قراره بغض النظر عن القوانين الموجودة .
و تقدم أوامر الدفاع والأحكام العرفية على القوانين التي تخالف الأمر وتتميز الأحكام العرفية بأن إصدار تعليمات الأحكام العرفية هي من سلطة الملك حصريا وهذا ما تنطق به المادة 125 من الدستور .
وعلية فإن الاحكام العرفية سندها الشرعي هو الدستور وهو أعلى قوانين الدولة وأسماها ، ومن خلال استقراء نص المادة 125 نجدها حددت الظروف والأحوال التي تدعو إلى إعلان الأحكام العرفية وهي حالات طارئة "خطيرة" لا يمكن مجابهتها بالقوانين المدنية الاعتيادية ولم يفلح قانون الدفاع في معالجتها فكان لزاما اللجوء إلى إعلان هذه الحالة القانونية غير العادية لواجهة طارئ خطير غير عادي .
في حين أن الأحكام العرفية تعطل الدستور فإن المخالفات التي ترتكب في ظل قانون الدفاع _ الذي لا يعطل الدستور _ ولا يتم المحاسبة عليها ومن أمثلة ذلك كما لو أن نائبا في مجلس النواب في دورة منعقده اخترق أوامر قانون الدفاع فإنه لا يتم توقيفه لكون مخالفته هي "جنحة" وذلك عملا بنص المادة 86 من الدستور التي حددت الجرائم التي يلقى فيها القبض على النائب وهي الجرم المشهود بارتكاب "جناية" فقط ، أما في ظل الأحكام العرفية فأكثر أحكام الدستور تعطل، علاوة على القوانين التي تخالف تعليمات الأحكام العرفية إضافة إلى ذلك فإن التعليمات تصدر من الملك مباشرة وهو رئيس السلطات والقائد الأعلى للقوات المسلحة بالتالي تختلف المعاملة وتكون الشريحة المطبق عليها أحكامه شاملة عامة والعقوبات تكون أكثر حزما وردعا لتحقيق الغاية .
يتضح لنا أن الأحكام العرفية هي من الصعوبة بمكان أنها تشل حركة الأفراد والجماماعات وتؤثر أثرا واضحا على حركة عجلة الاقتصاد وتقدمها كما وتعطل الحريات وكثيرا من الحقوق وذلك لتحقيق الهدف الأسمى ألا وهو حالة الدفاع الوطني ودرء الخطر المحيط بالشعب والدولة .
أقول لمن يدعو لتفعيل الأحكام العرفية أن يتريث في إلحاحه ؛ فالضرر سيكون أبلغ من الظرر الحالي علاوة على أن المرحلة لا تستعد ذلك ، فقانون الدفاع لم يعلن عن فشله في التعامل مع معطيات الوباء ، بل إننا نجد النتائج اليومية لعمل كل الجهات الرسمية وغير الرسمية والتعاون الشعبي _ بالرغم من كل التجاوزات وبعض الاستهتار _ إلا أننا نحقق نجاحا يوميا بعمل مشترك بتوفيق من الله عز وجل وعفو منه ، في ظل صاحب الجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المفدى القائدة الهاشمي ذو الرؤية الحكيمة .
حمى الله الأردن أرضا و قيادة وشعبا متمنيا السلامة للبشرية جمعاء .