رئيس التحرير : خالد خطار
آخر الأخبار

" إنها الكورونا يا حبيبتي (1) " للكاتبة حنان عباسي

 إنها الكورونا يا حبيبتي (1)  للكاتبة حنان عباسي
جوهرة العرب : الكاتبة حنان عباسي

ألم لا يُطاق، حرارة في أشدّها و كأن النار تستعر بجسدي حتى أكاد أقسمُ بأن أمعائي تذوب ، ألتقط أنفاسي جرعات خانقة ..
وحيدٌ ، أطل بوحدتي على عالمٍ أبيض يشبه كفنا يتسع لكل مخاوفي ..
في مثل هذه الساعة قبل ايام كنت أدخن سيجارتي في الشرفة ، ألتقط النسائم التي تصفع وجهي بآمتنان سجينٍ ،، كنتُ منزعجا و قد مللتُ جدران البيت و كل ما فيه ..
وجوهٌ غريبة ،تأتي و ترحل ، كلمات قليلة مفهومة و جمل طويلة لا أفهم منها شيئا .. أدمنتُ سماع الأصوات هنا ، أحببتها و إن تغيّرت ، و إن تعطلت قدرتي على الفهم ، تظل مُؤنستي ..
وحدتي مؤذية ، تقيس مستوى صبري بوحشية ، تُغذّي غولا حالكَ المشاعر داخلي ن غولا أكولا لا يشبع ، يتناول روحي بشراهة صائمٍ لم يعرف الجوع قبلي ..
فكرتُ فيكِ كثيرا ، خوفك ، توصياتك، ثرثرتك حول الأرقام الصاعدة و النازلة ، وجع الرأس الذي يصيبني من الأبحاث التي أُجريت مؤخرا و عليّ أخذها بعين الآعتبار و أنت تُكدّسين المعلومات في ذاكرتي المثقوبة .. أنهيت السيجارة و أنهيتُ معها تفكيري بكِ .. سأكمل مشاهدة الفيلم ثم أتصل بكِ ، آشتقتُ لكِ رغم وجع الرأس ..
ناديتُ آسمكِ كثيرا ، هكذا أخبروني عندما سألوني عنكِ ، لم أُجبهم ، لا رغبة لي في الحديث ، أريد أن أسمع الأصوات ، أطمئنُّ لها ، دليلي أني لازلتُ على قيد الحياة ، أتمسّكُ بكل هذه الحبال التي تخترقني ، أستنزف طاقتي في أملٍ باردٍ كسريري ..
آشتقت لكِ بين الألم و الألم ، ربما نسيتكِ في نوبات العذاب ، ربما لعنتكِ أنت و حظي التعيس، كلاكما لم تُفارقاني يوما ، وجهان لعُمرٍ واحدٍ أعيشه في قبضة المجهول ..
وحيدٌ أنا الآن ، و ربما أموت وحيدا بلا وداع ، و لا جنازة و لا صوت بكاء حتى يرافقني .. قد تبكيني إحدى الممرضات ، إني سمعت كثيرا بكاء إحداهن و لم أعرف أبدا السبب ، ربما موت أحدهم ، أو مرض زميل لها ، أو ربما تبكي إرهاق روحها و جسدها بهذا الحمل الثقيل ، فمراقبة الأموات أمرٌ شاقٌّ لا يقدر على آستيعابه أكثر البشر ..
يتجول الموت هنا مبتسما ، تراه كل العيون و تشعر بلمساته كل المسام ، حتى أنني أشتم رائحته ، فقدتُ حاسة الذوق و لم أعد أشعر بطعم أي شيء ، لكنّ للموت طعما تشمه و تراه و تحسه ، طعما لا يشبه في مرارته أي شيء ..
آشتقت لكِ جدا ، و آشتقتُ وجع الرأس معكِ ، و قد أموتُ قبل أن يعودني ذاك الوجع و قبل أن تعودني أحاديثك و الأبحاث و النصائح و الصوت الغاضب و آبتسامة " أحبك" عندما تُنهين المكالمة ..
إنها تجربة قصيرة من تجارب الحياة لا تكاد تُغيّر من خريطة الحياة شيئا .. إنني رقم جديد في تلك الإحصاءات التي تحفظينها ، و إنها الكورونا يا حبيبتي ..

               حنين