بثوبٍ منزلي زينته بقع الزيت و ألوان المرق، و خُفّين يلبسان قدميها المنهكتين، دخلت مركز الشرطة. استقبلها رأسٌ برز من وراء المكتب الجداري بصوتٍ أجش في نبرة أقرب إلى التوبيخ : " ماذا تفعلين في هذا الوقت المتأخر؟ ألا تعلمين أن هناك حجرا عاما يبدأ من السادسة مساء؟"
أجابته و الغصة تملأ حروفها :" أعلم، و يعلم زوجي و لكن هذا لم يمنعه من طردي"
- في هذا التوقيت؟؟ إنها الحادية عشر ليلا
- نعم
كانت في حربٍ مع دموعها، و لم تكن تريد البكاء أمام هذا الغريب ذي الوجه القاسي.
- أين بطاقة هويتك؟ و أين تسكنين؟
- أخرجني في هذه الهيئة كما ترى و لم يترك لي الفرصة حتى لأحمل هاتفي و حافظة نقودي.
- و لماذا طردك؟؟
- تخاصمنا.
- السبب؟
- نحن في خصام دائم و لأسباب بسيطة و تافهة.
- أنتن النساء لا تستطعن العيش دون تنغيص حياة الرجال و افتعال المشاجرات.
بدت الكلمات و كأنها طعنات يغرزها بهدوء شديد في صدرها. و رغم قسوة الإهانة ظلت تحارب دموعها العنيدة، كيف له أن يتفوه بكلام كهذا؟؟ و لم تجبه.. لقد قال كل شيء..
- لعلمك نحن لا نستطيع فعل شيء لكِ، هذا شجار عائلي و لا دخل لنا فيه، هل البيت على ملكه؟
- بلى
- لا يمكننا ان نجبر أصحاب البيوت على آستقبال أشخاص لا يرغبون في وجودهم.
- و لكني زوجته.
- حتى و إن كنت كذلك ، يظل صاحب البيت و له كامل الحق في طرد أو قبول من يشاء.
- هل هذا قانوني؟ كيف؟
تساءلت ببلاهة و بصوت لا يكاد يسمع غير مصدقة لِما تفوه به ممثل القانون ، يبدو أنه لم يقل كل شيء، لقد تحول سريعا من الطعنات الموجعة إلى الرصاصات القاتلة..
طردها ايضا و بكل لباقة القانون و صرامته أخبرها أن تذهب للمبيت عند عائلتها أو أحد أصدقائها، لم يسمح لها بإعلامه أنها لا تعرف أحدا يمكنها أن تُحمله وزر مشاكلها، و أنها لا تملك مالا تتنقل به و انها لا تحمل هاتفا لتتصل بأحدهم قريبا أو بعيدا تسأله مساعدتها..
غادرت مركز الشرطة( معقل الأمان) .. و انفجرت غضبا و حزنا و ذلا،، جرّت خيبتها و عاودت نفس الطريق .. لم تفكر طويلا.. سارت في عجزٍ مهين نحو البيت، بيته، لا بيتهما، لا بيتها، نحو بيته ..
سألها " أين ذهبتِ" اجابته متعبة " إلى مركز الشرطة"، صرخ " ماذا ؟؟ مركز الشرطة؟؟ ايتها.." و لم تعِ ما تبقى من الكلمات فالصفعة الأولى كانت قوية و قاسية جدا، و بقية الصفعات اللتي تتالت أكملت مهمة صمّها، تذكر انها سمعت عويل ابنتها الصغرى او مايشبه صوت ابنتها الصغرى، خبأت وجهها، تكورت أرضا تصد عن جسدها المرتعش بعض الركلات التي لم تتوقف، إلا عندما بدأت سلسلة اللكمات اللي سددها عشوائيا.. ارادت ان تصيح و ان تطلب منه التوقف لكنها لم تستطع ،ابتلعت كل هذه القسوة و لم تُجبه إلا بالتأوه و النحيب الصامت.. كانت جُثّة من كدمات، و كيف للأموات أن يردوا عن أجسادهم الوجع.. لقد قتَلها و عندما آنتهى منها، تركها، دون كلمة آعتذار واحدة..
شعرت باليد الصغيرة ترفع خصلات شعرها و قطرات مالحة تغسل جرحها.
- لماذا يضربك بابا؟؟
- إنه غاضبٌ قليل من بقائه دون عمل.
- و لماذا لا يذهب إلى العمل؟
- لا أعمال في هذه الفترة ، إنها الكورونا يا حبيبتي.