هل حقيقة نملك في الوطن العربي معارضة سياسية واعية؟ هذا السؤال يُحيلنا إلى مفهوم المعارضة أولاً ، فالمعارضة ليست خروجاً على الحاكم لكنها تصويبٌ له ولممارساته الخاطئة التي لا تتفق مع حرية المواطن وسيادة القانون ، وغض الطرف عن الأعوان والمستشارين وأصحاب القرار المحترفين بالتضليل وتغيير الحقائق ، وهم الشركاء المتسببون في الخطأ ، وهو ما يجب الإشارة إليه ، من خلال المعلومة المثبتة بالحق ، الموثقة بالصدق ، والمواجهة بالحوار الملتزم بالأخلاق ، والكلمة الحرة المفكرة النافعة المسؤولية ، التي تجلب الوفاق وتأتي بالعدل ، حتى لا يفسد الود بين المعارضة وأصحاب الحقوق الصابرين ، والصامتين المضطهدين بالقهر ، الذين ينتظرون معارضة تنصفهم ، ولا تحمل بداخلها روح الحقد والكراهية ، والمهاترات الفارغة ، حتى يتم تأييدها والوقوف معها ، لتغيير النهج ، وتحقيق الإصلاح ، من خلال الفكر والأدب ، وليس أدل على ذلك من قول الله عز وجل : " اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى" . فمهمة المعارض برأيي ليست في أن يغير العالم ، وان يحمل على الفاسدين بالسبة وفحش القول ، بل في تقديم حجته بفضائل نفسه ، حتى تتحقق المحبة في النفوس التي تبحث عن العدل ، والإحسان والعفو ، والتسامح والرحمة ، لتطمئن على مستقبلها المتحرر من عقدة الخوف ، مؤمنا أن كلمة لا ، في أدب المعارضة ، لا تجيز للمعارض أن يخرج عن الحق ، وأن كلمة نعم ، لا تجيز له أن يدخل في الباطل ، فالتأيد وموافقة الجاهل أخطر على الوطن من المعارض العالم ، اما في حال تعذر الإصلاح وتعنت السلطة ، فعلى المعارضة أن ترجح الفكر ، وتغلب الفضيلة على إسفاف الكلام ، وتبتعد عن السبة ، فمعارضة الحاكم والنظم الفاسدة ، لا يكون بالشتم وسوء القول ، أو بعمل فردي ، يكثر فيه الاستعراض ، ويخلو من البطولة ، لوقف التغول ، إن معارضة الحاكم ، تحتاج إلى ضمير جمعي ، وعقل مفكر ، وروح هادئة ، وقوة منظمة ، قادرة على الفعل والتأثير ، للوصول إلى مركز القرار ، وتصويب الأخطاء التي أفسدت االتشريع ، ووحّدت السلطات بشخص آمر ، يقبض على القانون ، ويسكت العدالة ، ويكمم الأفواه ، ويحطم الأقلام ، ويسقط المعارضة التي لم ترفع من شأن ذاتها بالكياسة والأخلاق ، وان لا يكون للمعارضة الوازنة دورا في الإصلاح ، اما أن يبتلى الوطن بأشخاص أطلقوا على أنفسهم معارضين ، وأخذوا يشتمون ويتطاولون في القول ، ويهتكون الأستار ، فبئست المعارضة المنفرة بالصراخ الذي لن يوقظ الوعي ولا يصوّب الخطأً ، ولا يجمع حولها سوى الغوغاء ، ومن يحمل بداخله معاول الهدم ، ولا يحقق البناء ، ونحن نعلم أن مثل هذه "مراجدة" فاشلة ، مطالبين بمعارضة واعية تدفع إلينا بقيم الحياة لنحيا ، وحكومة مبصرة لا تأخذها العزة بالإثم ، تستمع إلى صوت النشيد ، وتستجيب إلى النداء الكبير حتى لا يحاصرها الصدى ، ويتعاظم حولها الموج ، وتغرق بوحل السقوط ، ما لم تتدارك الأمر بحوار وطني ومصالحة شاملة ، حتى تتكامل معادلة الوعي بين الطرفين ويتحقق الهدف ولا تزيد الهوّة بين الحكومة والشعب.