رئيس التحرير : خالد خطار
آخر الأخبار

رُهاب المثلية (Homeopathic phobia) ......اجتماعياً .. بقلم الدكتورة مجد خليل القبالين

رُهاب المثلية (Homeopathic phobia) ......اجتماعياً .. بقلم الدكتورة مجد خليل القبالين
جوهرة العرب - د. مجد خليل القبالين / دكتوراه علم اجتماع / علم الجريمة

مُلاحظة هامة للتنويه : جميع ما ذُكر في المقال العلمي التالي ليس تأييداً مني شخصياً للمثليين أو حتى تعاطُفاً معهُم ،  ولا حتى محاولة لتبرير سلوكهم المرفوض دينياً ، واجتماعياً بقدر ما هو توضيح و وصف للحالة التي التمستُ شخصياً أن الكثيرون يجهلون من هُم المثليين وكيف من المفروض أن نتعامل معهُم.
تعني رُهاب المثلية أو الهوموفوبيا : الخوف من المثليين أو الاشخاص الذين يتم التعرُف عليهم أو اعتبارهم مثل السُحاقيات أو المثليين ثُنائيي الجنس أو العابرين جنسياً ، وقد تم تعريفه على أنه احتقار أو تحامُل أو كره أو كراهية ، ويُمكن أن يستند الى الخوف غير المنطقي ، وغالباً ما يرتبط بالمُعتقدات الدينية ، ويُشكّلون المثليين ثقافة فرعية تُصنف اجتماعياً من وجهة نظر الأفراد والجماعات على أنها ثقافة فرعية جانحة أي مُنحرفة أو شاذة.
تُشير الثقافات الفرعية في علم الاجتماع والانثروبولوجيا الى الثقافات الثانوية ، الفرعية أو الخاصة إلى مجموعة من الناس أو شريحة اجتماعية مُعينة تختلف في وجهة نظر مُعينة عن ثقافة أكبر هي جُزء منها ، وقد يكون الاختلاف مُتعلِق بنمط الحياة ، والمُعتقدات أو التخصُص في أحد مجالات المعرفة أو طريقة رؤية العالم ، بحيث تُشكِل تلك الثقافة أقلية في المُجتمع.
وتُقابل تلك الثقافة الفرعية بالهجوم الشرس  يتمثل بالرفض ، والنبذ والاقصاء ، أو الاستبعاد الاجتماعي ، والتهميش ، و وصمها اجتماعياً خصوصاً إذا كان اختلافها عن الغالبية العُظمى من المُجتمع مُتعلق بمسألة حساسة تتعارض مع الدين أو العُرف العام  ، والعادات والتقاليد ، أو الفطرة الطبيعية المُتعارف عليها بين بني البشر ، وهُم المثليين.
جاء اختياري للكتابة في هذا الموضوع على خلفية انتحار سارة حجازي في كندا وهي مصرية الجنسية  ، وكانت آخر كلماتها .....
" الى إخوتي ......حاولتُ النجاة...... وفشلت ....سامحوني.......
 الى اصدقائي ......التجربة قاسية  وأنا أضعف من أن اقاومها ......سامحوني ....
إلى العالم ....كُنت قاسياً إلى حدٍ عظيم........ ولكني اسامح.......".
تلك هي  كانت آخر كلمات سارة حجازي قبل انتحارها.
علماً بأن انتحار سارة حجازي سبقه سلسة من عمليات التعذيب لها في تخشيبة سجن قسم السيدة زينب وتعرُضها للتحرُش الجنسي على حد قولها ، وأنها تستحق ذلك العقاب من وجهة نظر الجهات التي قامت بتعذيبها ومن وجهة نظر المُجتمع  !! وحتى بعد ما أطلق سراحها قوبلت بالوصم المُجتمعي وقتلها معنوياً و وصمها واعتقالها كامرأة مثلية للجنس.
ومن تلك الرسالة والكلمات استنتج أنها في أيامها الاخيرة كانت تُعاني من الشعور بالاغتراب وتشعر أنها منبوذة اجتماعياً ومُحاطة بها وصمة اجتماعية توشحت بقالب الخزي والعار ساهمت بقتلها معنوياً وإقدامها على الانتحار.
اعتقد أن مُجتمعاتنا تُعاني من (رُهاب المثلية) أي الخوف من المثليين لدرجة الهلع والرُعب والخوف ، واعتقد أننا لا نزال نُعاني من الغموض المعرفي المُحاط بتلك الشريحة من الافراد ، وهُنا عدة اسئلة تحتاج  لطرحها ونُفكِر بصوتٍ مُرتفع معاً ؛ لتفسير ومعرفة الدوافع الكامنة وراء رُهاب المثلية الذي بتنا نُعاني منه بشكل واضح....
من هُم المثليين ؟ وهل هُم ثقافة فرعية جانحة تُهدد استقرار المُجتمع ؟
وهل المثليين اختاروا بمحض ارادتهم أن يكونوا مثليين أم انهم ولدوا على هذه الصورة؟  
هل المثلية اختيار يختاره المثلي ام قدر الشخص المثلي أن يكون مثلي رُغماً عنه؟ أم أن المثلي ضحية ظروف مُجتمعية أحاطت به.
الشخص المثلي:  هو الشخص الذي لديه انجذاب نفسي وعاطفي وجنسي اتجاه افراد من نفس جنسه ويوجد الكثير ممن يملكون تلك المشاعر بصورة طبيعية ولكن ليس بالضرورة أن يتم ترجمتها دائماً لسلوكيات وأفعال.
اثبتت الابحاث والدراسات العلمية التي قام بها عُلماء النفس واطباء نفسانيون أن التوجه الجنسي والمقصود به : المشاعر والرغبات الجنسية لا يمكن أن يكون امراً اختيارياً ، فلا يُمكن لأي إنسان اختيار نوع مشاعره الجنسية ولا يمكن لأي انسان اختيار رغباته.
أما بالنظر للأسباب الكامنة وراء تلك الميول المثلية جنسياً فتتمثل في :
- تعرُض المثلي للاغتصاب في طفولته وهذا يؤدي لتكون خبرات طفولة وتشوهات معرفية بالخبرات والتجارُب الجنسية.
- غياب الأب وسط جو أسري يغلُب عليه الطابع النثوي.
- خلل هرموني : وإن المثلي يحمل ميوله الجنسية منذ ولادته.
لكن جميع تلك الأسباب لا تزال قيد الدراسة ولا يزال مُحاطاً  بها الغموض المعرفي والتشوهات المعرفية التي انتجت حالة من رُهاب المثلية لدى افراد المُجتمع .
في العلم والطب لا يُعتبر التوجه الجنسي اختياراً ، وإنما تفاعُلاً مُعقداً لعوامل بيولوجية وبيئية ، ورغم وجود اعتقاد شائع بأن السلوك المثلي هو شذوذ أو اختلال فقد اظهرت الأبحاث أن المثلية الجنسية هي احدى التنوعات الطبيعية في الميول الجنسية الانسانية،  وأنها بذاتها لا تُشكِل مصدراً للمؤثرات النفسية السلبية  على الفرد المثلي ، ولقد لوحظ وَوُثِقَ السلوك الجنسي المثلي أيضاً على أنواع مُختلفة من الحيوانات.
السلوك المثلي موجود منذ القدم وله جذور تاريخية قديمة ورد ذكرها في الأعمال الادبية والفنية في مُختلف الحضارات والمناطق حول العالم ومنها الأدب العربي ، وعلى مر التاريخ تراوحت المواقف من العلاقات والنشاطات المثلية بين الإعجاب ، التسامُح ، الاستنكار ، والادانة فالأمر مُتعلق بالمعايير السائدة بالنسبة للعلاقات الجنسية في مُختلف الثقافات والعصور ، فالأديان الإبراهيمية مثل اليهودية ، والمسيحية ، والاسلام تُعارض بشكل عام المثلية الجنسية أو السلوك الجنسي المثلي  ، ولا بُد من التفريق هُنا بين المثليين جنسياً ، وبين الذين يشعرون بمُغايرة الهوية الجنسية ( Transgender) وهُم الذين يشعرون أنهُم ولدوا على الجنس الخطأ ، وبين الذين يريدون تغيير جنسهم (Transul)  ، فالميول الجنسية هي التوجه الجنسي للشخص (مثلي ، مزدوج ، مُغاير) ، بينما الهوية الجنسية أو الجندرية هي شعور الانسان بانتمائه الى جنس مُعين.
أما بالنسبة لأساليب التعامُل مع تلك الشريحة من الافراد الذين ينظُر لهم المُجتمع نظرة دونية وسلبية تتمثل :
-  بضرورة أن نتعامل معهُم على أنهم مرضى وبحاجة للعلاج ومُضطربين وليسوا اعداءً للمُجتمع ، ولا يجب علينا احتقارهم وتعذيبهم ، فالكثير منهم ليس لهم ذنب بالصورة التي ولدوا عليها أو تربوا عليها  ، وبعضهم اصبحوا مثليين كضحية  لأسرة فشلت في القيام بالتربية وضحية مُجتمع تماماً كمُتعاطي المُخدرات والمُدمنين الذين نقوم بوصف وتحليل العوامل المؤدية لاتجاههم نحو المُخدرات ، وهذا التوضيح والوصف لا يكون على شكل تبرير لسلوكهم الجُرمي أو حتى موافقة لهم على ما فعلوه أو تعاطفاً معهم بل ووصف للحالة من خلال المُلاحظة بالمُعايشة.
- ضرورة دراسة كُل حالة مثلي جنسي على حِده وبشكل مُنفرد ؛ لتعدُد العوامل المؤدية بالفرد بأن يكون مثلي ، فبعض تلك العوامل تعود لاختلافات وتغيُرات هرمونية ، وبعضها الآخر يعود للبيئة المُحيطة بالفرد ،  والبعض منها يعود لخبرات طفولة قاسية وتجارُب مشوهة حول الجنس تتمثل بتعرُض الفرد للتحرُش الجنسي والاغتصاب ، ويتم ذلك من خلال الرعاية الطبية ومُراجعة طبيب نفسي ، والهدف من هذه الخطوة ادماجهم في المُجتمع الذي يرفض وجودهم بل يحتقرهم ويخاف منهم ، وبقاء علامات الاستفهام على تلك الشريحة من الافراد يزيد من حدة الخوف والرُهاب منهم من قبل المُجتمع.
- ضرورة توعية أفراد المُجتمع بتلك الشريحة من الافراد دون استخدام اسلوب الترهيب  والعوامل التي أدت الى وجودهم ، وعدم ترك المجال للافتراضات غير المبنية على علم ، و وعي ، وفهم تأكل عقول الناس وتستنزف من استقرار المُجتمع وأمنه.
وفي الختام.........................
نحنُ لسنا مخولين بمُحاسبة العباد ...... فالحياة للجميع  .........والارض للجميع .....واستقرار المُجتمع يكون بأن يعرف ويعي ويُدرك كُل فرد ما له وما عليه ، وليس من حقنا مُحاسبة فرد ومُهاجمته على عيب خُلق فيه أو نشأ فيه بفعل عوامل بيئية مُحيطة به طالما أنه لا يؤذينا ، وبدلاً من الانهماك بمُهاجمة إنسانٍ مريض وغير سوي يُغرد خارج السرب بفعل عوامل الكثير منها خارجة عن ارادته  علينا أن ندرُس حالته جيداً ، ونُقدم له الرعاية الطبية والنفسية والدعم النفسي الذي يحتاجه ، فليس سهلاً أن تشعُر أنك تعيش وسط مُجتمع ينبذك ويُقصيك ويستبعدك اجتماعياً لمُشكلة بك سببها ليس بإرادتك.