القاهرة - اكد احمد ابو الغيط الامين العام لجامعة الدول العربية على ان منطقتنا العربية تعيش والعالم على اتساعه، على وقع أزمات متلاحقة .. والأزمات بطبيعتها لحظات استثنائية كاشفة عن عمق التعاطف الإنساني بين البشر والشعوب، وقدرتهم على العمل معاً لمواجهة تحدٍ مشترك..
جاء ذلك في كلمة أحمد أبو الغيط الأمين العام لجامعة الدول العربية خلال الجلسة الافتتاحية لمجلس الجامعة العربية على المستوى الوزاري الدورة العادية (154) اليوم الاربعاء التاسع من سبتمبر 2020 م الجاري ( عن بعد ) برئاسة الدكتور/ رياض المالكي وزير خارجية دولة فلسطين .
واضاف ابو الغيط .. هكذا رأينا المساعدات العربية تتدفق على السودان لمواجهة محنة الفيضان وما ولده من مُعاناة غير مسبوقة.. ومن قبلها لبنان في مواجهة كارثة انفجار مرفأ بيروت، بكل ما صحبه من خسائر مؤلمة .. إننا نعزي أسر الضحايا في البلدين الشقيقين.. ونؤكد على أهمية الجهد الإغاثي العربي في التعامل مع هذه الكوارث، ونعتبر هذا الجهد عنواناً مهماً على التضامن العربي والعاطفة المشتركة بين الشعوب.
واضاف ابو الغيط .. لا شك أن جائحة كورونا التي يواجهها العالم قد رتبت آثاراً لن تكون أي دولة بمنأى عنها .. إن العالم يمر بلحظة استثنائية ضاغطة على الجميع.. وثمة عملية جارية لمراجعة ممارسات مستقرة .. والجميع يسعى لاستخلاص العبر والدروس من أجل المستقبل .. وبرغم حالة اللايقين التي ولدتها الجائحة، فإننا نعرف يقيناً أنه لا توجد دولة قادرة بمفردها على الاستجابة لأزمة بهذا القدر من الشدة والاتساع .. ستحتاج الدول العربية إلى قدر أكبر من التساند التعاون.. وإلى مستوى أعلى من تنسيق السياسات والخطط المستقبلية .. من أجل عبور هذه المرحلة الصعبة بتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية العميقة والممتدة.
إن منظومة العمل العربي المشترك لم تكن بعيدة بأي حال عن هذه الأزمة غير المسبوقة .. فالهدف واضحٌ أمامنا وهو أن تكون هناك استجابة جماعية للأزمة..
ومن هنا فقد أطلقت الأمانة العامة للجامعة العربية مبادرة استجاب لها المجلس الاقتصادي الاجتماعي مشكوراً، وأصدر بياناً هاماً في مايو حول كيفية مواجهة تداعيات فيروس كورونا المستجد في الدول العربية.. وخرج بعدد من التوصيات ربما كان من أهمها دارسة إنشاء مرصد عربي لمراقبة وترصد الأمراض الوبائية المستجدة العابرة للحدود أو الناتجة عن الكوارث الطبيعية والأزمات .. وأرى أن هذا الموضوع ينطوي على أهمية كبيرة، وتنبغي متابعته بكل الجدية من أجل تحسين أدائنا وتحصين مجتمعاتنا في المستقبل.
وقال ابو الغيط .. إن القضية الفلسطينية كانت، ولا تزال، وستظل بإذن الله، محل إجماع عربي.. وأثق أن الغاية التي تسعى إليه دولنا العربية كافة، ومن دون استثناء، هي إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو 67، وعاصمتها القدس الشرقية.
إن خطة السلام التي تضمنتها مبادرة السلام العربية، والتي اعتمدتها القمة العربية في 2002، لا تزال هي الخطة الأساس والمنطلق المتفق عليه عربياً لتحقيق سلام دائم وعادل وشامل بين العرب وإسرائيل.
وأقول بعبارة واضحة إن السلام هو الخيار الاستراتيجي للعرب منذ القمة العربية في 1996.. والسلام الذي تفهمه الشعوب العربية وتقبل به .. لن يتحقق بصورة كاملة وشاملة قبل أن يحصل الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة.
لقد رفض هذا المجلس في أبريل الماضي خطة الضم الإسرائيلية.. بل واعتبرها جريمة حرب.. وأجدد في هذا المقام الرفض الكامل لهذه الخطط، جملة وتفصيلاً.. جزئياً أو كلياً.. في الحال أو في الاستقبال ..
كما أجدد رفضنا لأي خطط او ترتيبات مطروحة دولياً يكون من شأنها الانتقاص من الحق الفلسطيني أو المساس بوضعية مدينة القدس التي ينبغي أن تُحل قضيتها في إطار التسوية النهائية.
هذا هو أساس موقفنا العربي.. وهو موقف ثابت ويحظى بالإجماع .. ومؤيد بقرارات صدرت عن هذا المجلس.. وعن القمم العربية المتوالية .. ومعروض على معالي الوزراء قرارٌ يتناول هذا الموضوع .. وهو حصيلة جهدٍ دبلوماسي محمود شاركت فيه أمانة الجامعة..
ولا أظن أن القرار يخرج عن هذه الثوابت، أو يحيد عنها.. بل هو يؤكدها ويُشدد عليها..
وأود الإشارة هنا إلى أن حق كل دولة السيادي في مباشرة سياستها الخارجية بالصورة التي تراها هو حق لا جدال فيه.. وهذا أمرٌ يحترمه هذا المجلس ويقره.. وإنما نحن نؤكد في نفس الوقت على الثوابت محل الإجماع، والتي لا تنال منها متغيرات سياسية أو قرارات سيادية.
اسمحوا لي في ظل ضيق الوقت أن أعرض بإيجاز لأهم التطورات السياسية على الساحة العربية ..
شهدت الفترة الماضية تنامي حالة من التنمر والعداء من جانب قوى إقليمية حيال منطقتنا العربية.. تصاعدت التدخلات في شئون دولنا العربية من جانب دولتين جارتين هما إيران وتركيا.
إننا نُدين كافة هذه التدخلات ونرفضها على طول الخط .. وقد سبق لهذا المجلس أن اتخذ قراراً في 2015 بإنشاء لجنة رباعية لمتابعة التدخلات الإيرانية في الشئون الداخلية للدول العربية وسبل التصدي لها.. وقد تواصلت للأسف هذه التدخلات.. واتخذت منحىً خطيراً كان من شأنه تعقيد النزاعات القائمة في سوريا واليمن وإطالة أمدها.
أما فيما يتعلق بتركيا، فقد استمرت في احتلال أجزاء واسعة من الأراضي السورية، وباشرت اعتداءاتها على الأراضي العراقية .. ومؤخراً، انغمست أنقرة في الحرب الأهلية الليبية بالتدخل العسكري المباشر.
لقد أصدر هذا المجلس قراراً في مارس الماضي يُدين كافة هذه التدخلات التركية ويرفضها .. وتم تشكيل لجنة وزارية عربية لمتابعة التدخلات التركية في الشئون الداخلية للدول العربية..
وعقدت هذه اللجنة أولى اجتماعاتها قبل قليل.. وخرجت ببيان يُعبر عن موقف رافضٍ لكافة هذه التدخلات وداعٍ للتصدي لها.. ومعروض على معالي الوزراء قرارٌ يتناول ذات الموضوع، بعد أن قرر المجلس ادراج بند التدخلات التركية كبند دائم على جدول الأعمال.
إننا نتابع الوضع في ليبيا بقلق بالغ .. ويحدونا الأمل في أن تتوصل الأطراف إلى اتفاق دائم وشامل لوقف إطلاق النار.. توطئة للتوصل لتسوية سلمية وطنية جامعة .. الجميع يعرف ألا حل عسكرياً في ليبيا.. وإننا نثمن الجهود التي تقوم بها دول عربية من أجل الوصول لتسوية للأزمة توقف نزيف الدم.. ونرجو أن تثمر هذه الجهود قريباً، خاصة في أعقاب صدور إعلان القاهرة.. ونتيجة لما قام به الأشقاء مؤخراً في المغرب لجمع وفدي مجلس النواب والدولة.
إننا نرصد، وبرغم الأزمات، محاولات عربية جادة لبسط السِلم وتعزيز الاستقرار .. وندعم في هذا الصدد ما تقوم به الحكومة العراقية من أجل تعزيز سيادة العراق ووحدته الوطنية في مواجهة كل القوى التي تهدف للنيل من هذه السيادة أو تهديد تلك الوحدة.
كما نتمنى النجاح للحكومة اللبنانية الجديدة، بعد تشكيلها، في تجاوز الأزمة الخطيرة التي تمر بها البلاد.. وهو أمر يتطلب من الفريق الحكومي الجديد قدراً استثنائياً من التجرد والتسامي فوق كل مصلحة بخلاف مصلحة لبنان وشعبه.
كما نؤكد دعمنا للسودان في استكمال استحقاقات المرحلة الانتقالية والعبور بالبلاد إلى بر الأمان... ونرحب باستكمال اتفاقات السلام مؤخرا...ونتمنى للاخوة في السودان كل السلام والاستقرار.
وقبل أن أختتم كلمتي يتوجب عليّ أن أشيرَ إلى دقةِ الوضعِ المالي للجامعةِ، حيث لم تصل نسبةُ سدادِ المُساهماتِ لهذا العام سوى إلى 35%.. وهو ما يضع ضغوطاً كبيرةً على المنظمة.. وآمل أن تُستكملَ نسبُ السدادِ قبل نهاية العام.
إننا ندعو الله مخلصين أن يُجنب أمتنا وشعوبنا كل شر، وأن نعبر هذه الأوقات الصعبة متضامنين، ومتساندين على بعضنا البعض، ومدافعين دوماً عن استقلال بلادنا وسيادتها ونهضتها.