آخر الأخبار

مقاربة لقاء صحفي مع الشريف الحسين بن علي عام 1928 .. إضافة أولى واخيرة

جوهرة العرب - المستشار الاعلامي جميل سامي القاضي 

وهنا بين ان ثقته كانت كبيرة مع الاسف ، وانه لو علم بانهم سينكثون وعودهم لما اقدم على هذه الخطوة وان القرار لم يكن سهلاً ، والهدف كان سامي ونبيل ، وواضحة في المراسلات مع مكماهون" حيث قال : لقد كنا واضحين بأننا نطلب كامل الأراضي ضمن الحدود بما فيها كل ولايات سوريا، وعندما أشارت المراسلات إلى تعذّر إعطاء ضمانات بشأن ولاية بيروت، أكدنا بأننا إن تجاوزنا هذه النقطة خلال الحرب فإننا سنعود للمطالبة ببيروت بعد نهاية الحرب. لم نوافق على استثناء إي شبر من أراضي العرب من الاتفاق وكان موقفنا واضحاً بالإصرار بأن تكون كل أراضي العرب جزءاً من المملكة العربية المستقلة ".
وينطلق الصحفي في سؤال كبير عندما يذكر الشريف بانه في المراسلات يوجد ما يؤكد بأن مصالح فرنسا بالنسبة إلى بريطانيا خط أحمر لا يمكن تجاوزه ولا المفاوضة عليه.وان الشريف الحسين لم يطلب أي توضيح لهذه النقطة، واضاف أليس من الممكن أن نفسّر الذي حصل بأنه قراءة متباينة لمضمون المراسلات أو الوعود المقدّمة؟. هل كانت هذه الوعود الخطّية واضحة وبيّنة بشكل لا يقبل اللبس والتأويل؟. 
 الا انه بوضوح وبكل شفافية كانت اجابة الحسين التي هي رداً يصلح لكل الازمان : " هم استخدموا بالضبط هذه الذريعة، ولجؤوا إلى متاهة التفسير والتأويل، ولكني أريد أن أؤكد لك بأني وهم نعلم علم اليقين ماهية العهود التي كانت بيننا، واؤكد لك أيضا بأنهم أخفوا الحقيقة عني لآخر لحظة ممكنة واستخدموا التسويف والتأويل للتملّص من عهودهم. هم يعرفون بالضبط على ماذا نص الاتفاق بيننا وبينهم، هم يعرفون على ماذا تعاهدنا". ثم صمت برهة وعاد ليتابع :" هل يعقل إذاً أن أعلم باتفاقية سايكس بيكو من الصحف؟ أنا حليفهم الرئيسي في المنطقة، أنا الذي بذلت كل غالٍ ورخيص لتحقيق أهدافنا المشتركة، يتم الاتفاق من خلف ظهري لتقويض كل ما اتفقنا عليه، وعندما سألت حاولوا لملمة الموضوع وتسخيفه، لا بل كذبوا علي عن عمد وتخطيط لأن الوضع في ذاك الوقت كان لا يسمح بأن يخسروا حليفاً مثلي...حليفاً يقوم باستنزاف قوة الأتراك الذين يحاربونهم في جبهة فلسطين".
وهنا تتضح صورة الدول العظمى التي تتخلى وعودها وتخالف القيم والاخلاق التي تدعيها ، والسؤال المطروح متى علم الحسين بأمر الاتفاقية ( سايكس –بيكو )، وأجاب الشريف فوراً :" لقد أرسل لي أحدهم نسخة من جريدة المستقبل الصادرة في بيروت والمعروفة بأنها تميل للفرنسيين، لازلت أذكر رقم الاصدار 101 في 11 حزيران من عام 1918، تتضمن خطاباً لجمال باشا يتكلم فيه حول الاتفاقية وتقسيم سوريا والعراق بين فرنسا وبريطانيا، وعندما طلبت إيضاحا لهذا الموضوع، لم أقابَل إلّا بالتسويف، وعندما أبلغتهم أني مصرّ على أن آخذ تعهداً من بريطانيا وفرنسا بأن تكون للعرب دولة مستقلة واحدة برئيس واحد، حينها بدأت تظهر التفسيرات والتأويلات للعهود الواضحة المكتوبة التي أحتفظ بها، التفسيرات التي كانت واضحة وضوح الشمس، إلى أن الإنكليز يحاولون التملّص من عهودهم".
وهنا وصل الصحفي الى تحليل بوجود احتمال أن يكون كل فريق قد فسّر المراسلات بشكل مختلف،ووضع سؤال منطقي : لماذا يخوض الإنكليز وحلفاؤهم الفرنسيون هذه المغامرة ويتكبّدون كل تلك الخسائر ويقدّمون الدّعم والتضحيات في سبيل إقامة دولة عربية؟ لماذا يقومون بإهداء كل هذا للعرب؟ أسأل لماذا من باب المصالح والمنفعة، لماذا يفعلون ذلك ؟
فاجاب :"هم لم يقوموا بكل هذا لوحدهم، كنا شركاء. كانت معركتنا نحن وهم، لولا ثورتنا لما استطاعوا التقدم باتجاه فلسطين وتحرير القدس والتوجّه شمالاً حتى بلوغ دمشق، لقد كانت معركتنا مع الأتراك وإجبارهم على فتح جبهة في الجزيرة وتحوّل قواتنا من قوّة داعمة لهم إلى قوّة معادية هي الفيصل الذي مكّن الحلفاء من الانتصار واندحار الدولة العثمانية" وتابع:"ثم أريد أن أسأل سؤالاً معاكساً بهذا الصدد، ما مصلحتنا نحن العرب وما مصلحتي أنا أمير الحجاز، صاحب المركز المرموق في الدولة العليّة، بأن أهدم كل هذا لأجل عيون الإنكليز وفرنسا؟ هل يعقل بأني قمت بهذا لأسلّم البلاد إلى احتلال أجنبي وأُطرد من أرضي وبلدي لأعيش منفيّاً هنا؟".
وينتقل الصحفي الى القول :ماذا فعلتم عظمتكم عندما علمتم بأمر الاتفاق؟ فبحسب ما قلتم لي فإن هذا الكلام كان في وقت مبكرنوعاً ما في العام 1918 حين لم يكن هناك أي شيء قد حُسم بعد. لماذا استمر تعاونكم مع الإنكليز كل تلك الفترة التي امتدت لأكثر من ثلاث سنوات لاحقة؟ فكانت الاجابة : 
" ماذا عساي أن أفعل؟ إنها ثورة وليست نزهة، لا يمكنك أن توقف ثورة هكذا ببساطة. لم يكن أمامي إلا أن أكمل ما بدأت به، وأُعيد وأُكثر بالطلب من حلفائنا الإنكليز بأن يفوا بالتزاماتهم تجاه العرب"." أرسلت الكتاب وراء الكتاب والطلب وراء الطلب إلى كل السياسيين الإنكليز الذين كانوا معنيين بموضوع الجزيرة والثورة العربية وذكّرتهم باستمرار بالوعود التي قطعوها لنا. فيما كنت أرى أن الأحداث تمضي دون تحقيق هذه الوعود. كانت ثقتي بهؤلاء كبيرة ولم يكن لدي أدنى شك في أنهم من الممكن أن يخدعوني أو يخذلوني و استأنف لماذا استمر تعاوني معهم...لأنه كان الطريق الوحيد أمامي، فقد أحرقت كل مراكبي عندما أعلنت الثورة على الدولة العليّة. لقد خذلوني وبدأ الموضوع أمام من ائتمنني من العرب والمسلمين وكأني قمت بخيانتهم بعد أن بدأ حلم المملكة العربية يتبدد، وضّحت هذا، مراراً وتكراراً، للساسة الإنكليز، من ممثلهم في جدة إلى ملكهم في لندن، وأظهرت استيائي وعدم فهمي لسلوكهم الغريب، حتى أني هددت بالاستقالة أكثر من مرة "استقالتي من المهمة، من هذا الحمل الثقيل الذي أُلقي على كتفيّ. ولماذا أستمر إذا كان حلفائي الإنكليز لا يقدّمون الدعم لي، بل على العكس اكتشفت أنهم كانوا يعملون ضدي. هل أتابع وأسلّم العرب لدول الحلفاء يتقاسمونها غنيمة حرب، أم أستقيل وأبرئ نفسي من هذه المسؤولية التاريخية والخيانة العظمى؟".
ثم انتقل إلى موضوع آخر وهو موضوع الخلافة التي بدأت جمعية الاتحاد والترقي بإضعاف مركزها من خلال تجريد الخليفة لصلاحياته ثم جاءت الحرب وتبعاتها فقضت عليها نهائيا. ألم يكن في مخططاتكم إنقاذ الخلافة؟ ماذا كان رأي حلفائكم الإنكليز؟ وهل بالفعل، كما علمنا، بأنكم أعلنتم نفسكم الخليفة عندما ألغاها كمال اتاتورك في الآستانة؟. 
الاجابة تبين موقف قائد الثورة :وقال للصحفي .. "يا بني .. "أنا لم أعلن الخلافة وإنما قبلت البيعة، فقد جعل أولي الرأي والحل والعقد من علماء الدين في الحرمين الشريفين والمسجد الأقصى وما جاورها من بلدان والأنصار يفاجئوننا ويلزموننا بالبيعة، بالإمامة الكبرى والخلافة العظمى، بعد أن الغت أنقرة هذا المقام المكرّم، كان لا يجوز بقاء المسلمين أكثر من ثلاثة أيام بلا إمام، فقد قبلنا البيعة متوكيلن على الله عز وجل".
  تم إعلان البيعة في الأردن وفلسطين وسوريا والعراق وحسبت بأني نجحت بالفعل في إنقاذ الخلافة الاسلامية من الزوال .. وتوافدت الأخبار والبرقيات تحمل إعلان المبايعة وزارني مئات الوفود "
فتابع دون أن أسأله .."الخليفة لا يحكم بدون قوةٍ يا بني .. والذي جرى بعد ذلك بأن حلفائي تخلّوا عني في محاولتي لاسترجاع حق العرب في الخلافة، كما تخلّوا عني عندما تمسّكت بحقي وحق العرب بأراضيهم، دفعوا ابن سعود ليحتل أرضي بعد أن رفضت أن أجاريهم وأصادق على مخططاتهم الخبيثة ، وفي نهاية المطاف عقدوا الصلح مع الأتراك أعدائي وضغطوا عليّ لأفعل مثلهم" زفر زفرة طويلة وتابع: "وهكذا، تخليت عن كل شيء حقناً لدماء المسلمين، قلت لهم أكثر من مرة بأني لا أطلب شيئا لنفسي، وتنازلت عن العرش وعن الخلافة ، وها أنا أجلس بعيداً هنا عن أرضي وعن سلطتي، بعيداً عن أحلامي، تملؤني الحسرة والحزن "." يريدون أن أسلمهم بنفسي أراضي العرب، أرادوا أن أسلمهم فلسطين والقدس، وأوقّع على التنازل عنها لليهود. لم يكن بمقدوري أن أفعل ذلك وإن كان الثمن أن أخسر ملكي"
رحم الله الشريف الحسين بن علي وشهداء امتنا العربية واننا على الدرب لسائرون.