آخر الأخبار

د. انتصار البناء تكتب … "رحمة" البنغالية.. وملائكة المملكة

عرضت قناة (MBC) قصة مؤثرة لوافد بنغالي يعيش في المملكة العربية السعودية، توفيت زوجته بعد ولادة طفلتهما الأولى بأسبوع. وبقي وحيداً مع طفلته التي لا يعرف كيف يعتني بها، ولا كيف يدبر شؤون حياته ويباشر عمله، والطفلة في حضانته وحده. لكن الكفيل الذي يعمل عنده قدم له عوناً عظيماً يصعب أن يحدث في هذا الزمن ومع وافد غريب لا يمت بصلة للأسرة السعودية! في ليلة من الأسابيع الأولى من عمر الطفلة اتصل الوالد البنغالي بكفيله السعودي يطلب منه المساعدة لإخراجه من الحيرة وورطة التعامل مع طفلة رضيعة. توجه إليه الكفيل وقبل العناية بالطفلة وتكفل بتربيتها بين أطفاله. ورفض العروض المالية التي تقدم بها البنغالي نظير عناية أسرة الكفيل بالطفلة. ويشاء القدر أن تكون زوجة الكفيل السعودي حاملاً وتضع مولودها بعد ثلاثة أشهر، ما حدا بها أن ترضع الطفلة البنغالية وبذلك تصبح ابنتهم بالرضاعة وتنشأ معهم في المنزل ابنة وأختاً لأطفالهم. الطفلة اسمها رحمة وقصتها عبارة عن رحمة استثنائية بدأنا نفتقدها في هذا الزمن.

كيف سيكون موقف الفئات العديدة من البشر أمام وافد غريب يطلب المساعدة في تربية رضيعته؟

كم شخصاً سيقبل تربية الطفلة بين أبنائه؟ أظن أن الغالبية سيساعدون الأب في العثور على حضانة تعتني بالطفلة. البعض قد يكلف إحدى العاملات في منزله بالعناية بها. وقد يتكفل بنفقات الحضانة أو العاملة. لكن الاستثناء هو قبول تحويلها إلى ابنة بالرضاعة، ولن يُلام أحد فالموضوع ليس بهذه السهولة.

الرحمة التي امتلأ بها قلب الكفيل السعودي وزوجته تذكرنا بفطرة الإنسان الأول، وبقيمنا الأصيلة من نجدة الغريب وإسعاف الملهوف. وهي قيم آخذة في التبدد بسبب التأثر بالثقافة (الفردانية) والخوف من الغرباء، والانغلاق على الذات، والبراغماتية في كل قرار نتخذه. فضلاً عن قساوة القلب والتنمر التي انتشرت بفعل عوامل التحولات الاجتماعية والانفتاح الإعلامي.

في المرحلة التي فاضت الصراعات والحروب في الوطن العربي كنا متفاجئين بكم العنف وحجمه الذي مارسه الأفراد والجماعات. وأخذ كثير من الدارسين ينبشون في أصول ومرجعيات العنف في ثقافتنا الاجتماعية والتاريخية والسياسية باحثين عن تفسير لهذا الغضب المكنون في النفوس والعقول. لكن قصة رحمة أثبتت أن العطف ورقة القلب ما زالا موجودين بين كثير من الناس الذين لا نعرفهم. ولا يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي للترويج لقصصهم ويومياتهم وبطولاتهم الصغيرة. ما زال في الأرض رحمة. وما زالت قلوب الناس عامرة بالخير والمحبة.

المصدر : الروية