رئيس التحرير : خالد خطار
آخر الأخبار

الدكتورة علیاء إبراھیم محمود تكتب : لأنك سوداء، أنت جمیلة

الدكتورة علیاء إبراھیم محمود تكتب : لأنك سوداء، أنت جمیلة
جوهرة العرب _الدكتورة علیاء إبراھیم محمود

مثلي، مثل قطاع عریض من البشر ذوي الأنفس السویة؛ أؤمن أن لكل جسمٍ لوناً وملامح لھا
جمالُھا الخاص؛ ھكذا خلقنا الله، عزّ وجلّ، مختلفین في الألسن والملامح والألوان، فھذه سنّة
كونیة، وآیة من آیات الله في الأرض.
في المدرسة، یتعلّم أطفالنا أنھ لا عنصریة ولا تمییز ولا تنمّر على الآخر بسبب ملامحھ أو
لونھ، بل إننا نؤمن أنھ لا فرق بین أسودَ وأبیضَ، ولا عربيٍّ وأعجميٍّ، إلا بالتقوى، وأن بلالاً،
مؤذن الرسول، صلى الله علیھ وسلم، الصحابي الجلیل، رضي الله عنھ، وأشھر أصحاب البشرة
الداكنة، واحدٌ من المبشرین بالجنة.
أما الإعلام "المدرسة الكبرى للشعوب"، التي أصبحت في عصرنا الحالي المؤسسةَ الأكثر
تأثیراً فینا - كباراً كنّا أو صغاراً ـ فقد تعوّدت أن تجسّد - في نسبة كبیرة من الأفلام الكرتونیة
الموجھة للأطفال - الشخصیاتِ الجذابةَ من ذوي البشرة البیضاء، بینما الأشرار، ومرتكبي
الجرائم، وكذلك أصحاب المھن البسیطة، فھم من أصحاب البشرة الداكنة! ما یُنشئ في ذھن
الطفل منذ صغره علاقة شرطیة بین جنسٍ معیّنٍ، أو جنسیةٍ أو مھنةٍ ما، وبین السلوك الصادر
عنھا، في السیاق الدرامي.
إن الدراما في عصر سطوتھا وسیطرتھا علینا تستطیع أن ترسّخ صوراً ذھنیة على مدى أجیال
عن بعض الظواھر والقیم والشخصیات والمھن والجنسیات، فعلى سبیل المثال، نجح الإعلام
الغربي بجدارة في الربط بین العدید من الثنائیات؛ مثل ربطھ بین الشخصیة العربیة المسلمة
وبین الإرھاب، وكذلك بین أصحاب البشرة السوداء والجریمة، وبین التدخین والرجولة، وبین
الجمال والبشرة البیضاء!.
كل ھذه الأفكار وأكثر تداعت وتصارعت في عقلي وأنا أمسك روایة المبدعة الجزائریة عائشة
بنور، الصادرة حدیثاً عن "دار الخیال للنشر والترجمة" في الجزائر، التي عنونتھا بـ
"الزنجیة".
یطرح عنوان روایة الكاتبة عائشة بنور (الزنجیة) العدید من التساؤلات؛ فھل یا ترى یمكن أن
نعتمد على معنى الكلمة كمفردة في القاموس تحدد ملامح أصحاب الجمال الخاص المتفرّد
بالبشرة السوداء بدرجاتھا المتنوعة، والشعر المجعّد، التي جاءت من الأقطار الإفریقیة؟ وھل
ھي كلمة تشیر إلى عنصریة وتمییز فتصیب أصحابھا بأذى، وتسكب الملح على جروح ما
زالت تنزف لارتباطھا عبر قرون وعقود بحركة الاستعمار والاستعباد والقھر لھؤلاء البشر؟،
وھو ما رفضھ (جیفري سامونز) المؤرخ الأمریكي -الذي لھ العدید من الأبحاث في
تاریخ الأمریكیین الأفارقة- حینما علّق قائلاً: "لا أعتقد بأنھا كلمة خبیثة، فقد استخدمت في
أواخر التسعینات، وأحیاناً استخدمت لتوصیف الفئة المثقفة والنافذة من الأمریكیین الأفارقة".ھكذا أثارت عائشة بنور بعنوان روایتھا الكثیر من التساؤلات في عقلي، قبل أن أصل إلى
الإھداء الذي خصّت بھ الكاتبة المرأة الإفریقیة والآسیویة، جنباً إلى جنب مع الطفولة المشرّدة!
یجد القارئ نفسھ أمام كاتبة مبدعة، وعنوان مثیر للجدل، وإھداء جمع رمز الأمومة والطفولة،
وتقدیم أدبي متمیز للناقد السوداني عز الدین میرغني؛ كلھا عوامل جاذبة لقراءة الروایة، التي
اختارت الكاتبة أن تدور معظم أحداثھا في النیجر الواقعة غربي أفریقیا، حیث
یخترق نھر النیجر أراضیھا، ویحیط بھا من الشمال الجزائر ولیبیا، بینما تغطي الصحراء معظم
مساحتھا، ومن ھنا تبدأ الروائیة سرد الأحداث على لسان بطلة الروایة (بلانكا)، التي جسّدت
مأساة المرأة الإفریقیة، التي تدفن صراخھا في الرمل، كما عبّرت الكاتبة. فـ(بلانكا) تصف
نفسھا قائلة: "كنت مجرد فتاة تبحث عن رغیف الخبز، لأسرة فقیرة، في منطقة تكاد تنعدم
فیھا الحیاة، وتحفظ الأشعار التي لم تتوقف عن الغرق في الحزن والتشبث بالحیاة".
تتجمّع (بلانكا) مع النساء حول بئر ماء، لتملأ كل منھن دلوھا بمیاه غیر صالحة للشرب، وفي
درجة حرارة تضیق بھا صدورنساء ضاقت بھن الحیاة، وبینما یحملن أطفالھن فوق ظھورھن،
یحملن ھموم توفیر خبز یسدّ رمق ھؤلاء الأطفال، الذین یحصدھم الموت، بسبب التلوث أو
الجوع، أو الأمراض والأوبئة، ومع ھذا، فإنھن حول البئر یتجمعن ویسخطن
ویفضفضن، فرغم أن الماء خلق الله منھ كل شيء حي، إلا أنھ في النیجر جسر الموت؛ الموت
لجمیع الكائنات الحیة، وفي ھذا الطابور، تقف (بلانكا) تتحدث مع نفسھا، وتتأمل النساء
وأطفالھن وقصصھن ومآسیھن، وقد عبرت عن ھذا المشھد قائلة: " أقف عند حافة البئر،
وأنظر إلى طوابیر النساء الموجوعات، وھن یتزاحمن علیھا من أجل قطرة ماء".
تبدأ (بلانكا)، التي تعیش في تروما (صدمة نفسیة)، بعد أن تجوّلت شفرة السكین لتجتز جزءًا
من جسدھا، في سرد مأساتھا، ومأساة قریناتھا في النیجر، ومَنْ أتین من أقطار إفریقیة
مجاورة؛ فبسبب ھیمنة وسطوة وسلطة العادات والتقالید والموروثات، تتعرض (بلانكا) ،
لطقس اجتماعي بغیض وقميء ووحشي، یتمثل في عملیة اجتزاء جزء من جسدھا، على مرأى
من أبیھا وأمھا، ورجلین یوثقانھا من كتفیھا، وعجوز تحمل شفرة السكین، بلا رحمة، تقول
لھا وھي تبتسم: "أنت الآن امرأة، لا أحد سیقترب منك؟!"، والجمیع لا یعبأ بالطفلة (بلانكا)،
التي تعجز الكلمات عن وصف ما تشعر بھ من آلام وأوجاع وجراح جسدیة ونفسیة، بل الطبول
تدق مع صراخھا وسیلان دمھا، ومنذ ھذه اللحظة، سیسكن الصمت والوجع جنبات نفس الفتاة
النیجیریة (بلانكا).
مرّت سنوات على ھذا الحدث، كبرت (بلانكا)، وفشلت أن تنسى تفاصیل
مذبحتھا ، وقد عبّرت عن ھذا قائلة: "أمّا الیوم، فالحیاة قد ھزمتني منذ نعومة أظافري،
وسرقت ابتسامتي كطفلة تعانق الحزن والألم، منذ صرخاتھا الأولى على شفرة
السكین".وما زاد من تعمّق الصدمة النفسیة لدیھا، الواقع المعیشي القاسي الذي لا ینذر بأينوع من التغییر، والذي زرع الیأس في النفوس، وھكذا أصبحالصمت والألم والوجع والحزن،
مشاعر تلازم (بلانكا) لیلاً ونھاراً، مضافاً إلیھا مشاعر اللوم لأبویھا، اللذین سمحا بأن یتركا
ابنتھما تحت سطوة شفرة السكین، وتدریجیاً، تنمو في قلبھا مشاعر القلق على مصیر أختھا
الصغیرة، وكل الفتیات الصغیرات، أن یخضعن لھذا الطقس الوحشي، دون ذنب ارتكبنھ، سوى
أنھن خلقن نساء!.
تأملت ھذه المذبحة وتبعاتھا على (بلانكا) ومن ھُنّ مثلھا في إفریقیا أو آسیا، فتساءلت في
نفسي: كیف یحرّم الله وأد البنات، ویتحایل البشر لوأد الأنثى فوق الأرض؟ وبدلاً من إقامة
 مراسم دفن الطفلة حیة تحت الأرض، كما كان یحدث في الجاھلیة، فلتُقم مراسم دفن جزء من
جسدھا، ولتُدفن مشاعرھا وأنوثتھا وكرامتھا، ولیُمتھن جسدھا وروحھا على دقات الطبول.
ولعلني، من شدة توحدي مع الحادثة، التي ظلت مسیطرة على صفحات الروایة، وما وصفتھ
(بلانكا) من فقر وجوع وتلوث وأوبئة.. رأیت أن ھذه المذبحة الوحشیة التي تتعرض لھا
الفتیات الصغیرات لا تشیر فقط إلى بتر جزء من جسد طفلة صغیرة، بل إلى اجتزاء وبتر
ھؤلاء البشر من المجتمع الإنساني؛ إما بالتلوث، أو بالمجاعات، أو بالعنف، أو بتجارة البشر،
أو بالنبذ، وكل ألوان ودرجات العنف الجسدي والنفسي والاجتماعي والاقتصادي تمھد الطریق
إلى الموت، أو كما جاء على لسان البطلة: "الموت حصد العدید من الناس بسبب إشعاعات
منجم آرلیت، وشدّة التلوث البیئي بالمخالفات الذریة، والتلال المتراكمة من النفایات السّامة،
والمیاه الملوّثة قضت تقریباً على كل شيء ینبض بالحیاة"، لیظلّ أقصى أحلام ھؤلاء البشر في
ھذه المناطق قطرة ماء ورغیف خبز!
تتلفت (بلانكا) حولھا لتدرك أن الأمر لا یقف فقط عند مذبحة الفتیات الصغیرات بشفرة
السكین، بل ھناك قصص الفتیات الصغیرات المغتصبات، التي عبّرت عنھا قائلة: "أذكر
صدیقتي آیدي، التي فرّت من بلدھا، كانت تخبرنا عند البئر، وھي مرعوبة، قائلة: الفتیات
الصغیرات یُغتصبن من رجال خصصوا لذلك، یسمى الواحد منھم في المناطق المجاورة (الرجل
الضبع)، أو ھكذا كانوا ینادونھ، ھؤلاء الرجال مرضى بداء الإیـدز، لا یھمھم انتقالھ إلى الفتیات
الصغیرات، أو انتشاره، المھم أنَّھم یتقاضون مبالغ زھیدة من أجل عملھم ھذا".
اغتصاب وإیدز وحمل وإجھاض!!، مرة أخرى أتوحّد مع المشھد الروائي للمبدعة عائشة
بنور، وأتساءل بمرارة: كیف تُحرم فتیات صغیرات من اللعب والحلم، كیف تُغتصب البراءة؛
فبدلاً من أن یحلمن مثل قریناتھن بالألعاب والحلوى، یحملن أطفالاً وھنّ في سن الطفولة،
ویحمل المجتمع الدولي عار تركھن ھكذا، في ظل منظمات حقوق الإنسان والمرأة والطفولة،
بل أكثر من ھذا، منظمات الرفق بالحیوان، الذي نؤمن أنھ كائنٌ وكبدٌ حي، أُمرنا الله بالرفق بھ،
فما بالك بالإنسان، الذي كرّمھ الخالق، عزّ وجلّ، وھكذا، یتآمر الجمیع لبتر البراءة والأمن
والأمان من نفوس الأنثى الإفریقیة شیئاً فشیئاً، لتحیا المرأة ھناك تبحث عن رغیف خبزوقطرة ماء، وتبحث أیضاً عن قبر لتدفن ولیدھا الذي یموت أمام عینیھا جوعاً أو مرضاً،
وصحراء تدفن فیھا صراخھا.
وعلى الرغم من ھذه المأساة، التي برعت الكاتبة في وصفھا، حتى كدت أسمع صراخ (بلانكا)
الصامت، ویسري في قلبي قھر وحزن على أمھات یسقین أطفالھن ماء یعلمن أنھ سبیل
للموت!، ومع كل ھذا السواد والحزن والیأس، ظلت (بلانكا) منذ بدایة الروایة تتغنى بأشعار
الرئیس السنغالي سنغور (لأنكِ سوداء فأنتِ جمیلة)؛ ترددھا في حزنھا وترحالھا وألمھا،
وكأنھا تؤكد لنفسھا تمیّزھا، على الرغم من كل ھذا الواقع المریر.
أما (فریكي)؛ رفیق طفولة (بلانكا)، الھائم بھا حُباً، الذي أشارت الكاتبة إلى معنى اسمھ
بالیونانیة (البرد والخوف)، فیدرك القارئ، فیما بعد عبر صفحات الروایة، أنھ نال نصیباً كبیراً
من اسمھ، فـ(فریكي)، الذي شاء الله أن یخلقھ رجلاً، لم تشفع لھ رجولتھ في مجتمع ذكوري
بامتیاز، فقد كان یعمل في ارلیت، التي وصفتھا (بلانكا) بأنھا (مدینة المناجم، وأرض الذھب
في شمال النیجر، المنطقة الموبؤة، یلفھا كفن من الغبار المشع نوویاً).
في ھذه البیئة، علیھ أن یعمل في منجم تحت سلطة السید (روبرت)، الذي یتفنن في إذلالھ
وإھدار كرامتھ ھو والشباب الذین یجرّون النفایات خارج المنجم، وقد عبّرت الكاتبة عن تأثیر
ھذا القھر في نفس فریكي، رغم إذعانھ واستسلامھ، قائلة: "لكن النار المتأججة داخلھ تزداد
یوماً بعد یوم، مثل وحش كاسر، ینتظر أن ینقضّ على فریستھ".
وتأبى الكاتبة إلا أن تجعل، مع كل ھذا الواقع المریر، رغبة قویة في تغییر ھذا الواقع والتطلع
إلى المستقبل، خاصة في نفس (فریكي)، الذي كان یبذل كل جھده كي ینتشل الحبیبة (بلانكا)
من أحزانھا، ویفرّ بنفسھ وأسرتھ، وبأحلامھ وطموحاتھ، نحو غدٍ مشرق، یلیقبكائن بشري
كرّمھ الله، فلیھاجرمثلھ مثل الكثیرین غیره، الذین حلموا بالخلاص، وإن كان معظمھم یحلم
بعبور البحر نحو أوروبا، في ھجرات سریّة محفوفة بالمخاطر، إلا أن (فریكي) كان یرید
الھجرة إلى الشمال، فبعد إنجاب (بلانكا) ابنتھا التي حملت اسم (إفریقیا)، والتي أصبحت
تخشى أن یكون مصیرھا مثل مصیر أمھا، وغیرھا من الفتیات الإفریقیات، توافق على الھجرة،
وتقنع أمھا التي استبدّ بھا الیأس ھي الأخرى، وأصبح أملھا رغیف خبز، ویرحل (فریكي)
و(بلانكا)، حاملة فوق ظھرھا (إفریقیا)، ومعھا أختھا وأمھا، وأم فریكي
(بیانكا) وابنھا الصغیر، في رحلة محفوفة بكل أنواع المخاطر؛ اللیل والظلام والجماعات
المسلحة، وتفتیشات أمنیة مكثفة.أتأمل الأحداث التي رسمتھا الكاتبة ببراعة، فـ(بلانكا) التي تجسّد المرأة الإفریقیة، تعیش غربة
داخلیة عن نفسھا وعن جسدھا، وغربة عن وطنھا وھي في وطنھا، فالفقر في الوطن غربة،
وغربة أخرى اختارتھا بمحض إرادتھا، بعیداً عن أرض بخلت على أھلھا بقطرة ماء نظیف
ورغیف خبز، واغتصبت الطفولة والبراءة، وأجھضتالأحلام والآمال، فھل یا ترى
سیكون الشمال واحة أمن وأمانلھؤلاء الفارین في الظلام من قسوة أوطانھم ؟!.. تجیب (بلانكا)
عن ھذا التساؤل، الذي یتبادر إلى ذھن القارئ، قائلة: "كنت أحسبھ عالماً مثالیاً، لكن بعد
رحیلي عن حیِّزي الرَّمليّ، اكتشفت عالماً أكثر بؤساً وشقاءً".
و في مدینة (تیلدا)، التي تسمّى (مدینة الورود)، یتلقفھم عالم آخر، مع آخرین مثلھم یعانون
الفقر والجوع والبرد والفزع، والتنقل من مداخل العمارات إلى أسفل الجسور، یتجمعون عرایا
من أجل أن یمدوا أیادیھم لطلب كسرة خبز من المارة، یحملون أطفالاً عراة جائعین، والرفض
القاسي من أھل المدینة یتجسّد كل لحظة في نفورھم من ھؤلاء الوافدین، وتتداعى إلى أذھانھم
الصور المریبة عن ھؤلاء، الذین یزدادون یوماً بعد یوم. عاشت (بلانكا) و(فریكي) وأسرتیھما
ومن مثلھم الغربة بدوائرھا التي تتداخل مع بعضھا البعض، لتصبح (بلانكا) أسیرة الجوع
وأسیرة الخوف، ولتزداد حزناً وبرداً وصمتاً وشوقاً، وحنیناً إلى الوطن رغم قسوتھ، معبّرة
عن ھذه المشاعر بقولھا: "حینما تخرُّ قوانا نبتسمُ في الوطن، أمّا في الغربة فلا".
إذا كانت الروایة على أرض الواقع لا تنتھي، فإن الكاتبة لابد أن تنھي الأحداث في الفصل
الثامن، الذي ظھرت فیھ الصحفیة (ھاجر)، مواطنة الشمال، بعد مصادفة تجمعھا بـ(فریكي)،
الذي عانى من البرد والجوع والخوف في رحلتھ الشاقة التي قضت على أحلامھ وآمالھ التي
ھاجر من أجلھا. لم تخفِ ھاجر أن ھناك صوراً ذھنیة عن الأمراض والأوبئة والأفكار المریبة،
استدعاھا عقلھا عندما حاول (فریكي) أن یصافحھا، وعلى الرغم من ھذا، فقد أظھرت شفقة
وعطفاً علیھ وعلى من مثلھ؛ ففي تجوالھا بشوارع المدینة، ترى الأفارقة الذین یعانون كل
أنواع الفقر والجوع والنبذ، ولذلك یظلون یتجمّعون مع بعضھم البعض من شتى الأقطار
الإفریقیة، كي یستعیدوا مشاعر الدفء والطمأنینة والسكینة، التي فقدوھا في الغربة، وھي
المشاعر التي سرت في نفس (فریكي) عندما تقابل مع ثلاثة أصدقاء من تشاد والسودان
والسنغال، وكان ھو رابعھم من النیجر، وسیصاب بالذھول والاندھاش، كما عبّر، عندما یعرف
أنھم سیأخذونھ إلى بیت.. ھل ھناك بیت في ھذه المدینة التي لم یجد فیھا مأوى یقیھ البرد
ویجمعھ بأسرتھ؟! وإذ بھ في وادي الجمعة الإفریقیة، الذي ھو عبارة عن بیوت بلاستیكیة
یتجمّع فیھا الأفارقة، أو كما أطلق علیھم (فریكي) (المھاجرون الھاربون)، الذین اتخذوا مكاناً
لھم على ضفاف الوادي، تجمعوا مع بعضھم البعض، ومع أحلامھم التي ضاعت في الوطن،
وتبخرت في الغربة.
لنستمع إلى صوت صراخ أم فریكي، وھي تحكي مأساتھا قائلة: (أنا امـرأة بشرتھا سوداء،
ودمھا أسود، وأرضھا سوداء، تحمل فلذة كبدھا على ظھرھا، جائعاً، عاریاً، تھرب بھ بینالفیافي والقفار، خوفاً من نار تأكل الھشیم والجسد. امرأة تختفي ٨عن الأنظار ھاربة، تخفي
جسدھا بین الظلال خشیة اغتصاب، أو ختان وحشي، أو قتل بالجوع وبالرصاص. أنا یا
سیدتي.. مجرد امرأة سوداء تائھة بین الحقیقة والخیال، امرأة تبحث عن الأمان، ھاربة من
مرض إیبوال الفتّاك، وداء السیدا اللعین، ومن شفرة السكین، ومن حروب لا تضع أوزارھا.
امرأة سوداء، مزقت جسدھا طائفیة الأعراق، ونسي الجمیع، ولو للحظة، أنني امرأة تدفن
ولیدھا جوعاً، وتبكیھ بكل ألم وحسرة، كل صباح، وتئنّ تحت لفح شمس حارقة، ورشــاش
یدوي في أرضھا البائسة.. أنا رمز المرأة الحبشیَّة والبلالیة، والمرأة السوداء الماسیــة، التي
تغري الرجل الأبیض للتوغل في قفـــاري....).
ھذه المعاناة الإنسانیة التي تأملتھا (ھاجر) بعین الإنسانة والصحفیة، خلقت لدیھا، وبالتأكید
لدى القارئ، تساؤلات.. ھل من العدل أن یُعاقَب إنسان بسبب لونھ أو ملامحھ؟ ھل یمكن تقییم
جنس كامل من خلال لونھ؟ ومن ھو العدو الذي فعل ھذا بھؤلاء البشر لمجرد أن الله میّزھم
بلون وملامح جعلتھم مضطھدین من قوى متخلفة ومتعصبة؟. وھي نفس التساؤلات التي
ناقشھا (ولیام إدوارد بورغاردت دو بویز) عالم الاجتماع والناشط السیاسي الأمریكي ذو
الأصول الإفریقیة، الذي یُعدّ من أھم دعاة الحقوق المدنیة المھتمین بشؤون السود في مطلع
 القرن العشرین، وذلك في كتابھ (أرواح الشعب الأسود)، الذي صدر عام 1903 ،عندما طرح
مشكلة (خط اللون)، أو ما یسمّى على حد قولھ (حد اللون)، الفاصل بین الشعوب البیضاء
والشعوب غیر البیضاء ، للوصول إلى تحدید مَنْ یحقّ لھ العیش ومن لا یحق لھ؟!. أما في
كتابھ (الزنجي)، الذي نشر عام 1915 ،فیتساءل : من ھو الزنجي؟ وھل من الممكن تحدید
مقاییس عرقیة للزنجي، كما یتخیلھا البعض: ھو ذاك الرجل الأسود ذو الشعر المجعّد.. وھل
من الممكن حصر عرق أو شعب في مفاھیم بیولوجیة وفیزیائیة؟. ویطرح، في كتابھ ھذا الغایة
في الأھمیة، تساؤلاً یناقشھ من خلال دراسة تحلیلیة رائعة لكلمة (الزنجي)، كیف أصبح اللون
لھ علاقة بالدونیة في العالم الحدیث؟! في محاولة منھلتحلیل (الدونیة الإفریقیة)، التي نتجت
عن حركة الاستعباد والاستعمار للعنصر الإفریقي.
انتھیت من الروایة، التي جاءت بلغة بسیطة سلسة عمیقة، مفعمة بالمشاعر
الإنسانیة، فتذكرت مقولة مایا انجلو، الكاتبة والشاعرة والحقوقیة الأمریكیة (تعني الكلمات ما
ھو أكثر مما خُطّ على الورق، إنھ الصوت البشري الذي یضفي علیھا معانيَ أعمق
بكثیر.)، ووجدتني أردد بیت الشعر الذي كان شعاراً لـ(بلانكا): أیتھا المرأة الإفریقیة، لأنك
سوداء، فأنت جمیلة وصبورة، ومكافحة وأبیّة.