مثلي، مثل قطاع عریض من البشر ذوي الأنفس السویة؛ أؤمن أن لكل جسمٍ لوناً وملامح لھا
جمالُھا الخاص؛ ھكذا خلقنا الله، عزّ وجلّ، مختلفین في الألسن والملامح والألوان، فھذه سنّة
كونیة، وآیة من آیات الله في الأرض.
في المدرسة، یتعلّم أطفالنا أنھ لا عنصریة ولا تمییز ولا تنمّر على الآخر بسبب ملامحھ أو
لونھ، بل إننا نؤمن أنھ لا فرق بین أسودَ وأبیضَ، ولا عربيٍّ وأعجميٍّ، إلا بالتقوى، وأن بلالاً،
مؤذن الرسول، صلى الله علیھ وسلم، الصحابي الجلیل، رضي الله عنھ، وأشھر أصحاب البشرة
الداكنة، واحدٌ من المبشرین بالجنة.
أما الإعلام "المدرسة الكبرى للشعوب"، التي أصبحت في عصرنا الحالي المؤسسةَ الأكثر
تأثیراً فینا - كباراً كنّا أو صغاراً ـ فقد تعوّدت أن تجسّد - في نسبة كبیرة من الأفلام الكرتونیة
الموجھة للأطفال - الشخصیاتِ الجذابةَ من ذوي البشرة البیضاء، بینما الأشرار، ومرتكبي
الجرائم، وكذلك أصحاب المھن البسیطة، فھم من أصحاب البشرة الداكنة! ما یُنشئ في ذھن
الطفل منذ صغره علاقة شرطیة بین جنسٍ معیّنٍ، أو جنسیةٍ أو مھنةٍ ما، وبین السلوك الصادر
عنھا، في السیاق الدرامي.
إن الدراما في عصر سطوتھا وسیطرتھا علینا تستطیع أن ترسّخ صوراً ذھنیة على مدى أجیال
عن بعض الظواھر والقیم والشخصیات والمھن والجنسیات، فعلى سبیل المثال، نجح الإعلام
الغربي بجدارة في الربط بین العدید من الثنائیات؛ مثل ربطھ بین الشخصیة العربیة المسلمة
وبین الإرھاب، وكذلك بین أصحاب البشرة السوداء والجریمة، وبین التدخین والرجولة، وبین
الجمال والبشرة البیضاء!.
كل ھذه الأفكار وأكثر تداعت وتصارعت في عقلي وأنا أمسك روایة المبدعة الجزائریة عائشة
بنور، الصادرة حدیثاً عن "دار الخیال للنشر والترجمة" في الجزائر، التي عنونتھا بـ
"الزنجیة".
یطرح عنوان روایة الكاتبة عائشة بنور (الزنجیة) العدید من التساؤلات؛ فھل یا ترى یمكن أن
نعتمد على معنى الكلمة كمفردة في القاموس تحدد ملامح أصحاب الجمال الخاص المتفرّد
بالبشرة السوداء بدرجاتھا المتنوعة، والشعر المجعّد، التي جاءت من الأقطار الإفریقیة؟ وھل
ھي كلمة تشیر إلى عنصریة وتمییز فتصیب أصحابھا بأذى، وتسكب الملح على جروح ما
زالت تنزف لارتباطھا عبر قرون وعقود بحركة الاستعمار والاستعباد والقھر لھؤلاء البشر؟،
وھو ما رفضھ (جیفري سامونز) المؤرخ الأمریكي -الذي لھ العدید من الأبحاث في
تاریخ الأمریكیین الأفارقة- حینما علّق قائلاً: "لا أعتقد بأنھا كلمة خبیثة، فقد استخدمت في
أواخر التسعینات، وأحیاناً استخدمت لتوصیف الفئة المثقفة والنافذة من الأمریكیین الأفارقة".ھكذا أثارت عائشة بنور بعنوان روایتھا الكثیر من التساؤلات في عقلي، قبل أن أصل إلى
الإھداء الذي خصّت بھ الكاتبة المرأة الإفریقیة والآسیویة، جنباً إلى جنب مع الطفولة المشرّدة!
یجد القارئ نفسھ أمام كاتبة مبدعة، وعنوان مثیر للجدل، وإھداء جمع رمز الأمومة والطفولة،
وتقدیم أدبي متمیز للناقد السوداني عز الدین میرغني؛ كلھا عوامل جاذبة لقراءة الروایة، التي
اختارت الكاتبة أن تدور معظم أحداثھا في النیجر الواقعة غربي أفریقیا، حیث
یخترق نھر النیجر أراضیھا، ویحیط بھا من الشمال الجزائر ولیبیا، بینما تغطي الصحراء معظم
مساحتھا، ومن ھنا تبدأ الروائیة سرد الأحداث على لسان بطلة الروایة (بلانكا)، التي جسّدت
مأساة المرأة الإفریقیة، التي تدفن صراخھا في الرمل، كما عبّرت الكاتبة. فـ(بلانكا) تصف
نفسھا قائلة: "كنت مجرد فتاة تبحث عن رغیف الخبز، لأسرة فقیرة، في منطقة تكاد تنعدم
فیھا الحیاة، وتحفظ الأشعار التي لم تتوقف عن الغرق في الحزن والتشبث بالحیاة".
تتجمّع (بلانكا) مع النساء حول بئر ماء، لتملأ كل منھن دلوھا بمیاه غیر صالحة للشرب، وفي
درجة حرارة تضیق بھا صدورنساء ضاقت بھن الحیاة، وبینما یحملن أطفالھن فوق ظھورھن،
یحملن ھموم توفیر خبز یسدّ رمق ھؤلاء الأطفال، الذین یحصدھم الموت، بسبب التلوث أو
الجوع، أو الأمراض والأوبئة، ومع ھذا، فإنھن حول البئر یتجمعن ویسخطن
ویفضفضن، فرغم أن الماء خلق الله منھ كل شيء حي، إلا أنھ في النیجر جسر الموت؛ الموت
لجمیع الكائنات الحیة، وفي ھذا الطابور، تقف (بلانكا) تتحدث مع نفسھا، وتتأمل النساء
وأطفالھن وقصصھن ومآسیھن، وقد عبرت عن ھذا المشھد قائلة: " أقف عند حافة البئر،
وأنظر إلى طوابیر النساء الموجوعات، وھن یتزاحمن علیھا من أجل قطرة ماء".
تبدأ (بلانكا)، التي تعیش في تروما (صدمة نفسیة)، بعد أن تجوّلت شفرة السكین لتجتز جزءًا
من جسدھا، في سرد مأساتھا، ومأساة قریناتھا في النیجر، ومَنْ أتین من أقطار إفریقیة
لطقس اجتماعي بغیض وقميء ووحشي، یتمثل في عملیة اجتزاء جزء من جسدھا، على مرأى
من أبیھا وأمھا، ورجلین یوثقانھا من كتفیھا، وعجوز تحمل شفرة السكین، بلا رحمة، تقول
لھا وھي تبتسم: "أنت الآن امرأة، لا أحد سیقترب منك؟!"، والجمیع لا یعبأ بالطفلة (بلانكا)،
التي تعجز الكلمات عن وصف ما تشعر بھ من آلام وأوجاع وجراح جسدیة ونفسیة، بل الطبول
تدق مع صراخھا وسیلان دمھا، ومنذ ھذه اللحظة، سیسكن الصمت والوجع جنبات نفس الفتاة
النیجیریة (بلانكا).
مرّت سنوات على ھذا الحدث، كبرت (بلانكا)، وفشلت أن تنسى تفاصیل
مذبحتھا ، وقد عبّرت عن ھذا قائلة: "أمّا الیوم، فالحیاة قد ھزمتني منذ نعومة أظافري،
وسرقت ابتسامتي كطفلة تعانق الحزن والألم، منذ صرخاتھا الأولى على شفرة
السكین".وما زاد من تعمّق الصدمة النفسیة لدیھا، الواقع المعیشي القاسي الذي لا ینذر بأينوع من التغییر، والذي زرع الیأس في النفوس، وھكذا أصبحالصمت والألم والوجع والحزن،
والمیاه الملوّثة قضت تقریباً على كل شيء ینبض بالحیاة"، لیظلّ أقصى أحلام ھؤلاء البشر في
ھذه المناطق قطرة ماء ورغیف خبز!
تتلفت (بلانكا) حولھا لتدرك أن الأمر لا یقف فقط عند مذبحة الفتیات الصغیرات بشفرة
السكین، بل ھناك قصص الفتیات الصغیرات المغتصبات، التي عبّرت عنھا قائلة: "أذكر
صدیقتي آیدي، التي فرّت من بلدھا، كانت تخبرنا عند البئر، وھي مرعوبة، قائلة: الفتیات
الصغیرات یُغتصبن من رجال خصصوا لذلك، یسمى الواحد منھم في المناطق المجاورة (الرجل
الضبع)، أو ھكذا كانوا ینادونھ، ھؤلاء الرجال مرضى بداء الإیـدز، لا یھمھم انتقالھ إلى الفتیات
الصغیرات، أو انتشاره، المھم أنَّھم یتقاضون مبالغ زھیدة من أجل عملھم ھذا".
اغتصاب وإیدز وحمل وإجھاض!!، مرة أخرى أتوحّد مع المشھد الروائي للمبدعة عائشة
بنور، وأتساءل بمرارة: كیف تُحرم فتیات صغیرات من اللعب والحلم، كیف تُغتصب البراءة؛
فبدلاً من أن یحلمن مثل قریناتھن بالألعاب والحلوى، یحملن أطفالاً وھنّ في سن الطفولة،
ویحمل المجتمع الدولي عار تركھن ھكذا، في ظل منظمات حقوق الإنسان والمرأة والطفولة،
بل أكثر من ھذا، منظمات الرفق بالحیوان، الذي نؤمن أنھ كائنٌ وكبدٌ حي، أُمرنا الله بالرفق بھ،
فما بالك بالإنسان، الذي كرّمھ الخالق، عزّ وجلّ، وھكذا، یتآمر الجمیع لبتر البراءة والأمن
والأمان من نفوس الأنثى الإفریقیة شیئاً فشیئاً، لتحیا المرأة ھناك تبحث عن رغیف خبزوقطرة ماء، وتبحث أیضاً عن قبر لتدفن ولیدھا الذي یموت أمام عینیھا جوعاً أو مرضاً،
وصحراء تدفن فیھا صراخھا.
وعلى الرغم من ھذه المأساة، التي برعت الكاتبة في وصفھا، حتى كدت أسمع صراخ (بلانكا)
الصامت، ویسري في قلبي قھر وحزن على أمھات یسقین أطفالھن ماء یعلمن أنھ سبیل
للموت!، ومع كل ھذا السواد والحزن والیأس، ظلت (بلانكا) منذ بدایة الروایة تتغنى بأشعار