رئيس التحرير : خالد خطار
آخر الأخبار

سحر حمزه تكتب : شهيدة كورونا

سحر حمزه تكتب : شهيدة كورونا
جوهرة العرب _ سحر حمزه 

لم تكن تعلم أن أيامها معدودة على هذه الأرض وإنها أوشكت على الرحيل إلى الآخرة ،أرادت تشييد بيتاً جديداً لأبنها الذي كبر وأصبح شابا بارا بأمه وأبيه و ارتبط مع صبية وأقترن بها للزواج في الصيف وعملت نوال على أن تكون مساعدة له ليتمم فرحته بإتمام زواجه من عروسه وكانت نوال تداوم على التجهيز ليوم الفرح هذا ،ورغم تفاؤلها وابتسامتها المشرقة مع كل لقاء معها كانت بعض التنهيدات تصدر عنها حين تتذكر أيام تعارفنا الأولى وأيام أنجاب أطفالنا والطقوس العائلية والعشائرية التي كانت تجمعنا على حسن الجوار والمحبة.

 

نوال امرأة طموحة متميزة في حياتها ،حكيمة في كل سلوكياتها ،طيبة القلب في كل تعاملاتها ،نوال رحمها الله سيدة بمعنى الكلمة تتقن فنون التعامل الإنساني الراقي ،سيدة مواقف مع الجميع ،وجه جميل باسم بكافة المقاييس الإنسانية ،صاحبة نوايا حسنة دوما ،لم أرآها يوما عابسة أو غاضبة من أحد وأن استاءت من شيء ما ،تصمت وتكتم غيظها لأنها لا تريد أن تخسر أحدا في حياتها وتنسى من يؤذيها . 

عرفتها منذ عدة سنوات مضت جارة رضا وصاحبة أيادي بيضاء مع الجميع ،ليس للقسوة بحياتها مكان وأن لم يعجبها شيء تغادر مكانها إلى آخر متناسية أي شيء ينغص عليها يومها .

 

أستذكر لقاءنا الأول ، وعرفتها حين كانت طالبة في الجامعة على أبواب التخرج ولم أكن أعلم أن القدر يرسم لها طريقا لتسكن بجوارنا في البيت في مدينة سكانه متناغمون في تركيب فسيفسائي جميل من كافة المنابت والأصول وكانت خجولة على خلق عظيم ،ترتسم على شفتيها ابتسامة ساحرة تجذبني لها .

 

نوال أخت غالية على قلبي رحمها الله لأنها لم تدخر يوما في العطف على الجميع ،كانت تحرص على إسعاد الأطفال من حولها تعشقهموتقدم لهم كل ما بيدها لتسعدهم ومنهم أبنائي في جوار بيتها القريب من بيتنا الذي يشكل تجمعا سكنيا لموظفي الحكومة جميعهم .

عشنا أكثر من عشرين عاما أعز الأصدقاء والجيران ،معا نقترب ونسير ونحيا بسلام وحب على الحلوة والمرة ،نستنشق رائحة طهيها للموائد الرمضانية التي كانت تتميز بطعم خاص من يديها ،وكان الأطفال معا في الجوار ينتظرون مدفع الإفطار ،ونحن السيدات نحضر الموائد لقرب موعد آذان الإفطار ،كان سورا يفصل بينا منازلنا وكان من السهل أن نتبادل أطباق الطعام خلاله احتفاء برمضان المبارك ،وألذها كانت المأكولات الشعبية ،وعند موعد السحور كنا نوقظ بعضنا بنقر بعض الضربات على الحائط المشترك ألذي يجمع بين مطابخنا الطيبة .

كانت تصحو مثلنا وكنت أسمع قرعة المواعين و الأطباق ووقع الأقدام في منزلنا كأنه صدى بركة تحل بيننا بهذه الايام المباركة ،وكانت طفلتي الصغرى تلهو يوميا مع أولادها فقد تزوجت مديرا يسكن المنزل المجاور لنا بعد تخرجها من الجامعة وعملت معلمة في إحدى المدارس الحكومية رحمها الله .

كانت ربة بيت بكافة المقاييس ،سيدة المجالس النسائية في الصباحيات التي كنا ننظمها بالتناوب في العطلة الصيفية حيث لا يغادر الأولاد إلى المدارس وكونها معلمة فكنا طوال العطلة نتزاور ونتناول بعض الوجبات والحلويات الخفيفة في أوقات مختلفة من النهار وأحيانا في المساء .

ومرت الأيام ونحن على هذا الحال وغادرت أنا البلاد وخلفت ورائي الأولاد لأبيهم لأسباب خاصة ،أما نوال رحمها الله فلم تغادرهم كانت حريصة عليهم تعاملهم مثل أولادها تطمئن عليهم وتتابع أمورهم .

وحين هبطت كورنا من الفضاء وغزت البلاد والعباد ،كنا نحرص على تبادل الرسائل عبر الموبايل لنطمأن على بعضنا ونتبادل قصصا وحكايات جائحة كورونا والإجراءات الاحترازية التي تطبق للوقاية منها وكنت قد زرتهم في بداية الجائحة لكن لقائي بها كان عابرا حين ذهبت لعزيتها بوفاة والدتها ولم أطيل البقاء معها فقط قمت بالواجب وغادرت لانشغالي بأشياء كثيرة .

لم أكن أعلم أن القدر يرسم لنوال طريقا آخر نحو الآخرة ،فهي الطيبة الحنون الكريمة جارة الرضا والكرم الحاتمي والبسمة التيتغيب عن وجهها الصبوح حين كنت ألقاها في كل مرة .

شاء القدر أن تصاب بالأنفلونزا الشديدة في الشتاء قبل الماضي ومعظم الناس يصابون به لبرودة الطقس والتنقل وتلوث الجو لكن الأطباء بعض طول مدة الإصابة قرروا فحصها من الوباء الزائر للبلاد والعباد الفتاك بأرواحهم ،وفجأة قالوا لنا أنها مصابة بوباء كورونا وأن عليهم نقلها للمفشى للعلاج .

وبعد علاجات متكررة وفحوصات مشددة ومنع أحد من زيارتها ووضعها في غرفة الرقابة الصحية المشددة كانت حالتها تسوء كل يوم أكثر لأن كورونا الملعونة غزت رئتيها وأصبحت غير قادرة على التنفس ورغم محاولات كبيرة من الأطباء لمساعدتها إلا أنها بقيت تصارع الوباء كحرب ضارية ضربتها في أعماقها وهي تقاوم وتقوم لكن القدر شاء وغابت عن الوعي من وطأة الإصابة ،وأصبح التنفس عندها ضعيفا جدا ،وهي تستذكر أمها المتوفاة والمرحومين جميعهم ،وكأنهم حولها ينتظرونها لتغادر معهم وآخر كلماتها التوصية على أولادها الذين ما زالوا على مقاعد المدرسة وبيتها الجديد الذي تشيده كي تزوج أبنها البكر لتفرح به لكن فرحتها لم تكتمل وذهبت في حالة فقدان للوعي حتى انتقلت إلى رحمة الله تعالى وغادرت الأرض ومن عليها ،لتسكن إلى جوار ربها هو أرحم بها وتوفيت وهي لم تكمل الخمسين من عمرها وأحلامها تحلق في أفق حياتها مع أولادها لكن القدر شاء وغادرت الأرض وبلادها وكل أحبابها من العباد وكل شيء حولها حتى أحلامها الوردية وشيد لها بيت صغير مساحته متر واحد لتكون نهايتها على يد جائحة قاتلة تفتك بالبشر والأحبة دون رحمه ،فإلى جنات الخلد مع الشهداء يا أغلى الصديقات نوال .