الضرورات كما سبق أن ذكرت في مقالاتي الثلاث السابقة لها حكم خاص في الإسلام ، والتي من خلالها سوف ندرك الكثير من جوانب الدين الخفية عن بعض الناس ، والتي ربما ينسج كل منا منها ما يريده وفقا للقالب الذي يريد أن يصب فيه مادته الخام .. فهناك علاقة بين الضرورات والقضاء والقدر .. وكذلك جعل الله علاقة بين الضرورات وبين تصرفات البشر التي هي جزء من قدر الله ، إن الضرورة يبررها في عالم الغيب الثقة.
فالضرورة يشفع لجانبِ كبيرِ منها رسول الثقة بيننا وبين الله ، كما أن الثقة هي التي من اجلها خلقنا الله ليري من منا يثق في الوهيته سبحانه ممن هو منها في شك ، فجاءت الثقة بابا كبيرا في علم الدين الذي يغيب عن الكثير من بني البشر ، لقد جاء محتوي هذه الثقة في الله بأنها هي الإيمان نفسه ، أو بالاحري فهي المحبة ، فالله لا يريد منك سوى الحب ، ومن معانيه أيضا معني الرضا ، ومن هنا يزول الاندهاش والعجب حين نسمع في الحديث الشريف أن الله رضي عنك يا أبا بكر فهل رضيت يا ابوبكر عن الله ؟ ومنها قوله تعالي رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه.
هذا علي النقيض ممن هو من الله في شك ، ذلك الشك الذي تسرب إلى الشيطان ، فجاء بالشك والريبة وكل شرور الشيطان لينزع عن بن آدم لباس الإيمان ويريهما سوءة الكفر ، والذي هو محتواه الشك أو بالاحري (الكره) ، ذلك الكره الذي كره به ضمن من كره : كره أبو جهل لمحمد صلي الله عليه وسلم وبغض الشيطان له ولامته .. وما كان الكره من الله أبدا في القران إلا لانبعاث المنافقين ، أن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين ، فجاء هذا اللفظ بأنه هو (الكره) الوحيد في القران الذي من الله ، لأنه لم يخلقنا للكره ولا لنفسه ، والدليل علي هذا أن كره الله الوحيد جاء لأشياء ربما يكره الله ما هو أشد منها لكنه سبحانه لم يذكرها ،
ولم يستخدم لفظ ( الكره) نسبه له ولا يريده لنا أبدا واستخدم لفظ ( لا يحب ) عوضا عن الكره ( فهل تتوقف عن استخدامه أنت أيضا يا أبن ادم؟ ) بينما لفظه (لا يحب) وردت في القران حوالي (٤٧) مره ، لو أضفنا إليها الكره الوحيد لصار المجموع (٤٨ ) مطابقا لما ورود من لفظ (يحب) والذي ورد في القران الكريم ( ٤٨ ) مره أيضا ، ثم لم يستخدم لفظ الكره لأعدائه أبدا بينما الكافرين والشياطين يكرهون .
وكأن الكره من الله ليس لهم : وإنما لانبعاثهم ، وهم المنافقين ضمن فريق المؤمنين ، فما بالك بفريق الكافرين ، ومع ذلك لم يستخدم لهم لفظ (الكره) ولا لانبعاثهم أيضا ، إلا لكونها تبرئة للمؤمنين من شرور المنافقين بين أيديهم .. وقد جعل الله من خلال خلق الإنسان ضرورة (وإلا لم يخلقه ) فالله ليس بحاجه لشيء ولا تلزمه ضرورة ، لكنه خلقها فجعل من خلق أبن آدم ضرورة لبيان الخير من الشر ،
تلك الضرورة التي لم يدركها إبليس ، فما لبث أن حقد علي ادم ، واغتر بعد ذلك الغرور بنفسه ، فجاء بحاجه من الحوائج لأدم وهي حاجه : الخلود على أنها رغم عظمها ليست بضرورة ، فمن ذا الذي يلزم الله بضرورة ، لقد كان يكفي سيدنا ادم حاجه الحياة نفسها لتفي بحاجته دون ضرورة الخلود .
وفرق كبير جدا بين الحياة وبين الخلود ، وهكذا راود إبليس ادم عن ضرورة الخلود والملك الذي لا يبلي بينما هو عبد مخلوق ليس له من أمره شيء إلا ما أراد خالقه.
إن حاجه الإنسان لله أعظم من حاجته لخلوده لو آمن به الإنسان أو أي مخلوق وأحبه.. ومن ثم اختل ميزان الضرورات لدي ادم فلم يوفق للمقارنة بين حاجه الخلود والملك الذي لا يبلي وبين حاجته لطاعة الله ، وها هنا استخدم أنا الآن لفظ الحاجة بدلا من الضرورة لعدم وجود مقابله بين هذا الموقف ومواقف أخري .. فادم وزوجه لم يتعرضا للضرورة من قبل فسميتها (حاجه) فلما ذاقا الشجرة علما أن ضرورة إيثار طاعة الله أحب من ضرورة الخلود والملك الذي لا يبلي .
أن كل ما تم طرحه بين أيديكم ما هو إلا مقدمه لعلاقة الضرورة بالثقة من خلال القدر الإلهي أو في صوره عالم القدر البشري من خلال تصرفات الناس ، فهل يستمر الإنسان بعد رحله آدم مع الله في ضرورياته ( من وجهة نظره القاصرة )التي هي مهلكات ، بينما يتخلي عن مهلكات (من وجهة نظره) لكنها في الحقيقة (ضروريات) ؟
ملحوظة هامه أهيب بحضاراتكم أن تسقطوا فيها .. أن المحبة التي ذكرتها مع الغرور لا جدوى منها ..إذ أن الكبر لا يتوجب إلا لله ولا يحل لمخلوق إلا التواضع لله.. فإن إبليس أحب الله لكنه قرن ذلك بالكبر فهلك ،،،وللحديث بقيه