رئيس التحرير: المستشار محمد صالح الملكاوي [ 00962795755033 ]
آخر الأخبار

الانتخابات… حين تختلط الكفاءة بالأنا، وتتكفّل الصناديق بالمفاجآت!

الانتخابات… حين تختلط الكفاءة بالأنا، وتتكفّل الصناديق بالمفاجآت!
جوهرة العرب
كتب وسام السعيد _ مع اقتراب انتخابات الغرف التجارية تبدأ حكاية أكبر من مجرد تنافس على المقاعد؛ إنها حكاية الإنسان حين يجد أمامه فرصةً للظهور، وإثبات الذات، واكتساب المكانة، وربما ممارسة النفوذ.

فالانتخابات لا تكشف فقط مَن يريد أن يصل، بل تفتح نافذة على سؤال أعمق: لماذا يريد الوصول أصلًا؟

هناك من يترشح لأنه يحمل فكرة، ويرى في نفسه خبرةً يحتاج إليها القطاع، ويؤمن أن العمل العام مسؤولية تستحق الوقت والجهد. وهناك من يدخل السباق بدافع الطموح المشروع، ورغبة في توسيع دائرة تأثيره. وبينهما من يجد في المقعد اعترافًا بمكانته، وكأن كل ما حققه في حياته التجارية لا يكتمل إلا بإضافة صفة جديدة إلى اسمه!

وهناك أيضًا من لا يزعجه أن يخسر الانتخابات بقدر ما تزعجه فكرة أن يفوز بها شخص آخر!

وهنا تبدأ حكاية الأنا؛ تلك التي قد تسكن الإنسان الناجح كما قد تسكن غيره، لكنها تصبح مشكلة حين تتضخم حتى يختلط عليه الفرق بين خدمة المؤسسة وخدمة صورته الشخصية.

فترى من يريد أن يكون حاضرًا في كل مشهد، وأن يُذكر اسمه في كل إنجاز، وأن تكون له الكلمة الأخيرة حتى عندما لا تكون لديه الفكرة الأفضل. وقد يتحول اختلاف الرأي عنده إلى انتقاص من مكانته، ونجاح زميله إلى منافسة شخصية، والعمل الجماعي إلى معركة صامتة على مَن يستحق التصفيق!

فبعض الناس يريدون أن يصنعوا أثرًا يبقى بعدهم، وبعضهم يريدون أن يبقى اسمهم حاضرًا في كل أثر.

وبالطبع، ليس كل طموح غرورًا، ولا كل ظهور استعراضًا؛ فالتواصل والإعلام والعلاقات أدوات مهمة في العمل العام. لكن الفارق يظهر عندما يصبح الاهتمام بالصورة أكبر من الاهتمام بالمضمون، وعندما ينشغل المرشح بإثبات أنه مهم أكثر من انشغاله بإثبات ما يستطيع تقديمه.

أما المرشحون، فلكلٍّ منهم حكايته وطريقته في خوض السباق.

هناك صاحب الخبرة الذي يتكئ على سجله، وصاحب العلاقات الذي يعرف أبواب الناس، وصاحب الحضور الإعلامي الذي يجيد مخاطبة الجمهور، وصاحب التحالفات الذي يتحرك ضمن تفاهمات وحسابات، وهناك من يعمل بهدوء ولا يحب الضجيج، وهناك من لا يتذكر أن للتجار مطالب إلا عندما تقترب الانتخابات!

وهناك مرشح تحركه رغبة حقيقية في الإصلاح، وآخر يريد استكمال مسيرة بدأها، وثالث يسعى إلى إثبات أنه لا يقل شأنًا عن منافسيه، وربما مرشح يدخل الانتخابات بدافع العتب أو تصفية حسابات قديمة.

ولا يمكن الحكم على النيات من المظاهر وحدها؛ فقد يجتمع أكثر من دافع في الشخص نفسه، وقد يبدأ المرء راغبًا في الخدمة ثم تغريه المكانة، أو يبدأ بطموح شخصي ثم يكتشف قيمة المسؤولية. فالإنسان ليس قالبًا واحدًا، وإنما تكشف المواقف مع الوقت أي الدوافع أصبح أكثر تأثيرًا في قراراته.

لكن يبقى السؤال الأهم: هل كل مرشح يصلح للمقعد الذي يسعى إليه؟

ليس بالضرورة.

فالتاجر الناجح ليس بالضرورة إداريًا ناجحًا، وصاحب المال ليس بالضرورة صاحب رؤية، وكثرة المعارف لا تعني القدرة على التفاوض، والخطابة الجميلة لا تعني امتلاك الحلول. كما أن الهدوء لا يكفي وحده لإثبات الكفاءة، والشهرة لا تكفي لإثبات التأثير.

فالعمل التجاري شيء، والعمل المؤسسي شيء آخر؛ إذ يحتاج إلى قراءة دقيقة لمشكلات القطاع، وفهم التشريعات، وإدارة الخلافات، والتفاوض مع الجهات الرسمية، واتخاذ القرارات، والعمل ضمن فريق، وتحويل الوعود إلى نتائج قابلة للقياس.

وقد يكون المرشح مناسبًا في مرحلة، لكنه يحتاج إلى أدوات جديدة في مرحلة أخرى. فاحترام التاريخ لا يعني أن نتوقف عن تقييم الحاضر، والخبرة السابقة لا تعفي صاحبها من إثبات قدرته على التعامل مع تحديات اليوم والغد.

المقعد ليس مكافأة على المكانة الاجتماعية، ولا جائزة ترضية عن سنوات العمل، بل مسؤولية تحتاج إلى مَن يجمع بين الخبرة والنزاهة والقدرة على الإنجاز.

ثم تأتي الانتخابات بمسرحها الذي لا يخلو من المفاجآت!

فكم من مرشح خلط بين المحبة والأصوات، وبين المجاملة والالتزام، وبين كثرة المصافحات وضمان النتيجة! وكم من حسابات بُنيت بثقة، ثم جاءت الصناديق لتكشف أن الواقع أكثر تعقيدًا مما ظن أصحاب تلك الحسابات.

فالناخب قد يحترم شخصًا ولا ينتخبه، وقد يتعامل تجاريًا مع آخر ولا يمنحه صوته، وقد يجامل الجميع ثم يحتفظ بقراره لنفسه. والوعود التي يسمعها المرشح ليست كلها تعهدات نهائية، والتحالفات التي تبدو ثابتة قد تتغير عندما تتبدل المصالح أو الأولويات.

وقد يظهر اسم لم يكن في مقدمة التوقعات، أو تتراجع حسابات مرشح ظن أن الطريق مضمون، أو تتغير موازين المنافسة بسبب مواقف وتجارب لا تظهر في الصور ولا تُقاس بعدد التصريحات.

وهنا مفارقة الانتخابات: كل مرشح يقرأ المشهد من زاويته، لكن الصندوق يجمع زوايا مختلفة لا يملك أحد احتكار معرفتها.

وقد يكون أكثر ما يضلل المرشح ثقته المفرطة بمن حوله؛ إذ يحيط نفسه أحيانًا بمن يؤكدون له ما يحب سماعه، فيظن أن شعبيته أكبر مما هي عليه، وأن الاعتراضات لا تتجاوز أصواتًا قليلة. وحينها لا تكون المفاجأة في تصرف الناخبين، بل في الفجوة بين الواقع والصورة التي رسمها المرشح عن نفسه.

ولا تنتهي حكاية الشخصيات عند إعلان النتائج؛ بل ربما تبدأ أهم فصولها عندها.

فالفائز أمام اختبار التواضع، واحترام المنافسين، والعمل لمن انتخبوه ولمن لم ينتخبوه. والخاسر أمام اختبار تقبل النتيجة، ومراجعة تجربته، والتمييز بين الخلاف الانتخابي والخصومة الشخصية.

فقد يفوز إنسان ثم يخسر ثقة الناس بسلوكه، وقد يخسر آخر الانتخابات ويبقى محل احترام بما قدمه من عمل ومواقف. وقد يتحول منافسان إلى شريكين عندما يدركان أن مصلحة القطاع أكبر من خلافاتهما، وقد تتحول التحالفات الانتخابية إلى خلافات عندما ينتهي السبب الذي جمع أصحابها.

وهذا ما يجعل الانتخابات أكثر من مجرد منافسة على الأصوات؛ إنها اختبار للعلاقة بين الطموح والمسؤولية، وبين المكانة والخدمة، وبين ما يقوله الإنسان عن نفسه وما يثبته في الواقع..

كلمات دلالية :