رئيس التحرير: المستشار محمد صالح الملكاوي [ 00962795755033 ]
آخر الأخبار

ولكم في الخيل درس وعبرة بقلم: نادية إبراهيم نوري

ولكم في الخيل درس وعبرة  بقلم: نادية إبراهيم نوري
جوهرة العرب 

 نادية إبراهيم نوري

جلست على شاطئ البحر في هذه الأيام الخريفية الجميلة، التي تلوح بنسمات باردة تخبرنا بقدوم الشتاء، وقد تلبدت السماء بالغيوم. كنت أتأمل ما حولي من جمال الطبيعة، وتلاحق موجات البحر وراء بعضها بعضاً، وكأن نسمات الهواء تغسل روحي وتصفي ذهني. تركت كتابي جانباً على الطاولة، وبدأت أرتشف فنجان قهوتي بسعادة.

تذكرت أيام الصيف وحرّها، وتجمع المصطافين على رمال الشاطئ، الذي كان يزدحم بالمظلات وأعداد البشر التي كانت تحجب عن ناظري جمال منظر البحر المباشر. أما الآن، فقد عاد كل إلى عمله ومدرسته، وانتهت الإجازة، وأصبحت فرصتنا نحن كبار السن سانحة للتمتع بكل تفاصيل جمال الطبيعة.

تساءلت: لماذا لا يستمر الجو معتدلاً طوال العام؟ ولماذا تتعاقب الفصول بين شتاء قارص البرودة يجعلنا أسرى البيوت، ملتحفين بأثقل الملابس والأغطية أمام المدافئ وشاشات التلفاز والهواتف النقالة، وبين صيف لا يطفئ حرّه متعة السباحة في مياه البحر الباردة ولا تناول المشروبات المثلجة؟

هنا أدركت عظمة الخالق؛ فتنوّع الفصول يجعلنا نستشعر النعم ولا نعتادها، فسبحانه خالقنا والعليم بأعماق النفس البشرية.

تذكرت سورة العاديات، وأمعنت التفكير في معانيها:

﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا ۝ فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا ۝ فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا ۝ فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا ۝ فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا ۝ إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ۝ وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٌ ۝ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ۝ أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ ۝ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ ۝ إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ﴾.

سبحانه وتعالى يصف الخيل في ساحة المعركة، عندما يشتد وطيس الحرب صباحاً، وكيف تطيع الخيل فارسها، وكيف تختلط أنفاسها بذرات الرمل، ولا تبالي بما تواجهه، وكيف تقدح النار من احتكاك حوافرها بالأرض من شدة سرعة جريها، طاعةً لفارسها، ولا تهاب الموت الذي تواجهه بكل إقدام وثبات. كل ذلك وفاءً لفارسها الذي يطعمها ويسقيها ويرعاها.

أما الإنسان، الذي خلقه الله في أحسن صورة، وسخّر له الشمس والقمر والكون، ورزقه من خيرات الأرض والبحار، وفضّله بالعقل على كثير من المخلوقات، ومتّعه بنعم البصر والسمع والحركة، وجعل جميع أجهزته، كالقلب والدماغ والرئتين والكبد والكليتين، تعمل طوال اليوم والليل، حتى وإن كان هو ينعم بنوم عميق؛ فإن الإنسان، مع الأسف، لربه لكنود، لا يشكر الله على كل تلك النعم، بل يتذمر ويجزع ويملّ ويعصي، ويتكاسل عن أداء الطاعات التي فُرضت عليه.

شتّان بين وفاء الخيل لمن يرعاها، وبين حال بعض البشر مع خالقهم! لذلك علينا أن نمعن التفكير في الآيات القرآنية وتفاسيرها، وأن نتعلم من مخلوقات الله البسيطة دروساً في طاعة الله وحسن شكر نعمه. فالله خلق لنا كل هذه النعم، ولا يريد منا إلا شكره وطاعته.

وهنا تذكرت قصة جميلة عن وزير خدم الملك سنوات عمره كلها، إلا أن الملك، وفي لحظة غضب، ومع أول غلطة، قرر إعدامه. فما كان من الوزير إلا أن طلب من الملك أن يمهله سبعة أيام ليوفي نذراً قطعه على نفسه، وهو أن يطعم كلاب الملك بيديه.

تعجب الملك من ذلك النذر، ومنحه سبعة أيام حتى يفي به، وبعدها يُنفذ حكم الإعدام في ساحة عامة، ويجعل كلابه تفترسه أمام الجميع؛ إذ كانت تلك وسيلة ذلك الملك الظالم في الإعدام، كي يكون عبرة لغيره.

استمر الوزير في تنفيذ حيلته، وصار كل يوم يطعم كلاب الملك المتوحشة بيديه، ويقضي ساعات في رعايتها والاهتمام بها.

انتهت المدة التي منحها الملك لوزيره، وجاء يوم تنفيذ الحكم القاسي. وقف الوزير في ساحة الإعدام، وأطلق الملك كلابه عليه وهو يضحك، فما كان من الكلاب إلا أن اندفعت نحو الوزير، تقبّل قدميه بألسنتها، وتتودد إليه، وتظهر طاعتها وحبها له.

فهم الملك حيلة الوزير، واعترف له بالذكاء والدهاء، وعفا عنه؛ لأنه لم يُرِد أن يخسر رجلاً يحمل كل ذلك الذكاء.

تلك الحيوانات تُظهر ولاءها لمن يطعمها ويسقيها ويرعاها، ونحن البشر منحنا الله كل شيء، ومع ذلك نعصيه ونقصّر في طاعته، وهو الذي يرزق المؤمن والكافر، ولا يمنع رزقه حتى عمّن عصاه، لكنه جعل لنا المكافأة الكبرى يوم الحساب؛ فمن ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية.

جعلنا الله وإياكم ممن رضي الله عنهم وأرضاهم في الدنيا والآخرة.