في عامه الأربعين، لا يحتفل مهرجان جرش للثقافة والفنون برقمٍ عابر في مسيرته، بل يعلن عن محطة تاريخية تؤكد أن الثقافة ليست حدثاً موسمياً، وإنما مشروع وطني متجدد يمتد عبر الزمن. ومن هنا يأتي شعار الدورة الأربعين: "إرث يمتد… أجيال تلتقي” ليختصر حكاية أربعة عقود من الإبداع، وحواراً مستمراً بين الماضي والحاضر والمستقبل.
منذ انطلاقته، لم يكن مهرجان جرش مجرد منصة للعروض الفنية أو الأمسيات الشعرية، بل كان مساحة مفتوحة لصناعة الذاكرة الثقافية الأردنية والعربية. فعلى مسارحه وقف كبار الشعراء والمفكرين والموسيقيين، وتعاقبت عليه أجيال من المبدعين الذين وجدوا في جرش نافذةً على العالم، وجسراً يربط الثقافة المحلية بفضائها العربي والإنساني الأوسع.
وتأتي الدورة الأربعون في وقت يشهد العالم تغيرات متسارعة في وسائل التواصل والإنتاج الثقافي، ما يمنح الشعار دلالة أعمق؛ فالإرث هنا ليس مجرد ماضٍ محفوظ في الذاكرة، بل تجربة حية تنتقل من جيل إلى آخر، وتُعاد قراءتها وصياغتها بما يتناسب مع روح العصر. فحين يلتقي شاعر مخضرم بشاب يخطو خطواته الأولى على المسرح، أو حين تستمع الأجيال الجديدة إلى فنون وتراث الآباء والأجداد، يتحقق المعنى الحقيقي للإرث الثقافي.
لقد نجح مهرجان جرش خلال أربعين عاماً في أن يكون مدرسةً ثقافيةً متكاملة، لا تقتصر على الفن والترفيه، بل تمتد إلى ترسيخ قيم الهوية والانتماء والتنوع. فمن بين أعمدة المدينة الأثرية العريقة، يتجدد حضور الأردن بوصفه حاضنةً للإبداع، ومركزاً للحوار الثقافي، ووجهةً تحتفي بالإنسان وقيم الجمال.
وإذا كانت الدورات السابقة قد أسهمت في بناء هذا الإرث، فإن الدورة الأربعين تبدو أقرب إلى وقفة تأمل جماعية في رحلة طويلة من الإنجازات. إنها فرصة لاستحضار الوجوه التي صنعت تاريخ المهرجان، واستذكار الأصوات التي صدحت على مسارحه، وفي الوقت ذاته فتح الأبواب أمام مواهب جديدة ستشكل ملامح العقود القادمة.
إن شعار "إرث يمتد… أجيال تلتقي” لا يتحدث عن مهرجان فحسب، بل عن فكرة حضارية تؤمن بأن الأمم التي تحافظ على ذاكرتها الثقافية وتمنح شبابها مساحة للإبداع هي الأمم القادرة على صناعة مستقبلها. وهكذا يواصل جرش رسالته، ليس كحدث سنوي، بل كقصة وطن يكتب فصوله الثقافية جيلاً بعد جيل.
وفي دورته الأربعين، يقف مهرجان جرش شاهداً على أن الثقافة لا تشيخ، وأن الإرث الحقيقي هو ذلك الذي يظل قادراً على جمع الأجيال حول قيمة واحدة: الإبداع الذي يوحد الماضي بالحاضر، ويمنح المستقبل أكثر إشراقاً