*نُثيلة الريحاني ... الفارسة النشمية التي حملت الأردن في قلبها إلى كندا*
*حين يتحول الولاء من شعار إلى أثر … والانتماء من عاطفة إلى رسالة*
*• بقلم المستشار وسفير السلام محمد صالح الملكاوي*
ثمة أشخاص يغادرون أوطانهم جسداً، لكن أوطانهم لا تغادر أرواحهم. وثمة آخرون يحملون أوطانهم معهم أينما حلّوا أو ارتحلوا، لا كذكرى، بل كرسالة يومية تُترجم إلى فعل، وموقف، وتأثير.
ومن بين هذه النماذج الأردنية المُلهمة، تبرز نُثيلة الريحاني بوصفها أنموذجاً أردنياً استثنائياً لما يمكن تسميته بحق "الفارسة النشمية"؛ المرأة الأردنية التي لم تجعل الغربة نهاية للصلة مع الوطن، بل بدايةً لدورٍ وطني جديد يتجاوز الحدود والجغرافيا.
إن الحديث عن نُثيلة الريحاني لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره سيرة شخصية تقليدية، أو سرداً لمسيرة عمل مجتمعي فحسب، بل بوصفه قراءة في تجربة أردنية عميقة تؤكد أن الوطنية الحقيقية لا تُقاس بالقرب الجغرافي من الوطن، بل بمدى القدرة على حمله في الفكر والسلوك والوجدان.
لقد أدركت نُثيلة الريحاني، منذ سنوات اغترابها الأولى، أن الجالية الأردنية في الخارج تحتاج إلى أكثر من لقاءات اجتماعية عابرة؛ بل تحتاج إلى بيتٍ معنوي، ومساحة آمنة تحفظ الهوية، وتعزز الانتماء، وتُشعر الأردني أينما كان أن وطنه لا يزال قريباً منه. ومن هنا، لم يكن تأسيس ملتقى النشامى للجالية الأردنية في كندا عام 2015 مجرد مبادرة مجتمعية عادية، بل مشروعاً وطنياً وإنسانياً ذكياً، يحمل رؤية عميقة مفادها أن الغربة لا ينبغي أن تتحول إلى قطيعة مع الجذور.
اختارت نُثيلة الريحاني أن تجعل من الملتقى مظلة أردنية جامعة في بلد الاغتراب، ومساحة حقيقية لدعم الأردنيين، خاصة الطلبة والقادمين الجدد إلى كندا، من خلال الإرشاد، والمساندة، والتوجيه، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي والمعرفي، لتصبح بالنسبة لكثيرين "عنواناً أردنياً دافئاً" في بداية طريق الاغتراب.
وهنا يتجلى المعنى الحقيقي لمصطلح "الفارسة النشمية". فالفارسة النشمية ليست فقط من تتحدث عن الوطن، بل من تحرس ذاكرته وصورته أمام العالم، وتخدم أبناءه، وتصنع له حضوراً مُشرّفاً في المحافل الدولية. وهذا ما جسدته نُثيلة الريحاني بوضوح، حين ساهمت في استقبال الوفود الأردنية الرسمية والمجتمعية في كندا، ومنها الحرس الملكي الصامت عام 2018، وموسيقات القوات المسلحة الأردنية خلال مشاركتها في مهرجان "التاتو" العسكري عام 2022، في صورة تعكس عمق اعتزازها بالأردن، وحرصها على أن يبقى حضوره مميزاً ومشرقاً أمام العالم.
لكن تجربة نُثيلة الريحاني تتجاوز العمل المجتمعي التقليدي إلى ما يمكن وصفه بـ "الدبلوماسية الشعبية الوجدانية"؛ ذلك النوع من التأثير الذي لا يُقاس بالمناصب الرسمية، بل بالأثر الإنساني والوطني. فقد أدركت نُثيلة الريحاني أن قوة الأردن لا تقوم فقط على مؤسساته الرسمية، بل أيضاً على أبنائه وبناته المنتشرين في العالم، حين يتحولون إلى سفراء حقيقيين للقيم الأردنية: الكرامة، والتسامح، والوفاء، والإنسانية.
وفي هذا السياق، تبدو تجربة نُثيلة الريحاني منسجمة بصورة لافتة مع الرؤية الوطنية التي يقودها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، الذي أكد مِراراً أن الأردنيين في الخارج يشكلون امتداداً حقيقياً لوطنهم، وأن قيمة المواطن الأردني لا تتوقف عند الحدود، بل تتجلى في مساهمته الإيجابية أينما كان.
فالولاء، كما يريده الملك عبدالله الثاني، ليس خطاباً احتفالياً يُردد في المناسبات، وإنما مسؤولية أخلاقية ووطنية تُترجم إلى إنجاز، وصورة مشرقة، وخدمة للإنسان. والانتماء الحقيقي لا يعني مجرد الحنين، بل القدرة على تحويل حب الوطن إلى مشروع عطاء مستمر. وهنا تحديداً تبرز نُثيلة الريحاني كنموذج عملي لهذا الفهم المتقدم للوطنية.
ولعل الإنجاز الأكثر رمزية في مسيرة نُثيلة الريحاني كان نجاحها في رفع العلم الأردني لأول مرة في ساحة بلدية مدينة هاليفاكس بمقاطعة نوفاسكوشيا الكندية مؤخراً، بمناسبة الذكرى الثمانين لاستقلال المملكة الأردنية الهاشمية، بحضور رئيس البلدية Andy Fillmore ومسؤولين ونواب وأعضاء المجلس البلدي. فلم يكن ذلك مجرد احتفال بروتوكولي، بل لحظة رمزية عميقة المعنى؛ لحظة تقول إن الأردن، رغم صغر مساحته، كبيرٌ بأبنائه، حاضرٌ بأثرهم، مرفوعٌ بقاماتهم الوطنية.
وإذا كان البعض يظن أن الوطنية تقتصر على الكلمات، فإن نُثيلة الريحاني قدمت أنموذجاً مختلفاً؛ فقد امتد عطاؤها إلى العمل التطوعي والبيئي داخل الأردن، من خلال حملات النظافة والتوعية البيئية في جرش ومادبا وعين الباشا، انطلاقاً من إيمانها بأن حب الوطن لا يكتمل إلا بخدمته، والحفاظ على جماله وبيئته ومجتمعه.
كما ساهمت نُثيلة الريحاني في دعم ومساندة صيادلة أردنيين وسوريين قدموا إلى كندا، عبر تسهيل اندماجهم وتعريفهم بالمجتمع المحلي، وهي صورة أخرى من صور المسؤولية الإنسانية التي تؤمن بها.
لهذا فإن حصول نُثيلة الريحاني على الميدالية البلاتينية من الملكة إليزابيث الثانية، وتسلمها من حاكم المقاطعة، لم يكن تكريماً عابراً، بل اعترافاً بقيمة العطاء الأردني الإنساني والمجتمعي الذي قدمته، ورسالة تؤكد أن العمل الصادق يفرض احترامه في كل مكان.
لهذا، يمكنني القول كرئيس لوِحدِة ثقافة السلام في الشرق الأوسط بأن نُثيلة الريحاني لم تؤسس فقط ملتقى للجالية الأردنية، بل أسست "وطناً معنوياً مُصغراً" للأردنيين في المهجر؛ وطناً لا تحدّه الجغرافيا، بل تجمعه المحبة، ويُرفع فيه العلم الأردني في الوجدان قبل الساحات، ويظل فيه الانتماء فعلاً يومياً لا مناسبة موسمية.
إن نُثيلة الريحاني ليست مجرد اسم في العمل المجتمعي، بل قصة أردنية تستحق التأمل؛ لأنها تُقدم تعريفاً جديداً لمعنى الفارسة النشمية: امرأة أردنية حملت وطنها معها، وحملت أبناء وطنها في قلبها، وجعلت من الغربة مساحةً إضافية لخدمة الأردن.
وفي زمن تتراجع فيه النماذج الملهمة، تظل نُثيلة الريحاني شاهداً على حقيقة أردنية عميقة مفادها: أن الأردن لا يعيش فقط داخل حدوده، بل يعيش أيضاً في قلوب النشامى والنشميات … أمثال نُثيلة الريحاني.