فيلم The Menu (2022) للمخرج مارك ميلود ليس مجرد فيلم رعب أو إثارة تقليدي، بل عمل سينمائي يجمع بين السخرية السوداء والنقد الاجتماعي الحاد. استطاع الفيلم أن يحقق نجاحاً جماهيرياً ونقدياً ملحوظاً، مستفيداً من فضاء سينمائي مغلق ومكثف عزز شعور المشاهد بالاختناق والتوتر منذ اللحظات الأولى.
تبدأ أحداث الفيلم عندما يصل اثنا عشر ضيفاً من الطبقة الثرية إلى جزيرة معزولة لتناول عشاء استثنائي في مطعم فاخر يحمل اسم "هوثورن”، يديره الشيف الشهير جوليان سلوفيك. ومع تقدم الأمسية واكتشاف تفاصيل قائمة الطعام، يتبين أن العشاء ليس تجربة تذوق فاخرة كما توقع الضيوف، بل جزء من خطة انتقامية صممها الشيف لمعاقبة الأشخاص الذين يعتقد أنهم ساهموا في تشويه فنه وتحويله إلى سلعة استهلاكية فارغة من معناها الحقيقي.
الفكرة التي تحرك الفيلم
لا يسير الفيلم وفق القوالب التقليدية لأفلام الرعب، بل يعتمد بشكل أساسي على مهيمنة المضمون، وتحديداً الصراع الطبقي وسلعية الفن داخل المجتمع الرأسمالي. يقدم الفيلم الطبخ بوصفه شكلاً من أشكال الفن الذي فقد قيمته الإنسانية وتحول إلى منتج استهلاكي تستخدمه الطبقات الميسورة للتباهي وإظهار المكانة الاجتماعية أكثر من تقدير جوهره الحقيقي.
كما يطرح الفيلم رؤية أخلاقية معقدة تقوم على صراع بين طرفين يحمل كل منهما قدراً من التشوه. فالأثرياء يمثلون النفاق والتعالي والاستغلال، بينما يمثل الشيف ومطبخه التطرف والسادية والرغبة المرضية في العقاب. ومن خلال هذا التصادم بين قوتين غير مثاليتين، يبرز مفهوم الاغتراب الذي يعيشه الفنان عندما يشعر أن فنه لم يعد ملكاً له، بل أصبح وسيلة لإرضاء جمهور لا يفهم قيمته الحقيقية.
تفكيك اللعبة
يعتمد البناء الدرامي للفيلم على تصاعد هندسي متقن، حيث تنقسم الحبكة إلى مراحل مرتبطة بأطباق العشاء المتتالية. ومع كل طبق جديد يرتفع مستوى التوتر وتتسع دائرة الغموض، مما يمنح الفيلم إيقاعاً متماسكاً ويحافظ على حالة التشويق حتى النهاية.
أما الشخصيات فتؤدي وظائف دلالية واضحة داخل البناء السردي.
الشيف جوليان سلوفيك شخصية معقدة تجمع بين العبقرية والجنون، وتمثل صورة الفنان المحبط الذي فقد شغفه بسبب استهلاك الآخرين لفنه بصورة سطحية. ورغم ساديته الواضحة، تكشف بعض اللحظات عن الجانب الإنساني داخله، خاصة عندما يُطلب منه إعداد وجبة "برغر الجبن”، فيستعيد ذكريات بداياته البسيطة وشغفه الأول بالطهي.
أما مارغوت فتمثل العنصر الخارج عن منظومة الشيف المحكمة. وبحكم انتمائها إلى طبقة مختلفة عن بقية الضيوف، استطاعت رؤية الواقع كما هو بعيداً عن الهالة المصطنعة التي أحاطت بالشيف ومطعمه، ولذلك كانت الشخصية الوحيدة القادرة على كسر قواعد اللعبة والنجاة منها.
في المقابل، يجسد تايلر المستهلك المهووس بالفنان إلى درجة فقدان القدرة على التفكير النقدي، بينما تمثل الناقدة ومساعدها النخبة الثقافية التي تتعامل مع الفن بوصفه موضوعاً للاستعراض الفكري أكثر من كونه تجربة إنسانية. أما رجال الأعمال والثري العجوز فيشكلون رموزاً للسلطة المالية والطبقية التي تعتقد أن المال قادر على شراء كل شيء.
اللغة السينمائية وعلم الدلالة
عند قراءة الفيلم من منظور سيميائي، تظهر مجموعة من العلامات والشفرات التي تحمل دلالات عميقة.
فالطعام لا يؤدي وظيفته التقليدية كوسيلة للغذاء، بل يتحول إلى أداة للعقاب الاجتماعي وكشف التناقضات الطبقية. أما تصفيقة الشيف الشهيرة فتعمل بوصفها شفرة بصرية وصوتية تعلن بدء مرحلة جديدة من السيطرة المطلقة داخل المطعم وتؤكد خضوع الجميع للنظام الذي فرضه.
ومن أبرز العلامات الدلالية في الفيلم وجبة "برغر الجبن”، التي ترمز إلى البساطة والصدق والشغف الحقيقي الذي كان يحرك الشيف في بداياته. وتكتسب هذه العلامة أهميتها لأنها تمثل اللحظة التي يتصدع فيها النظام الفكري للشخصية الرئيسية، وتفتح الطريق أمام نجاة مارغوت.
بصرياً، اعتمد الفيلم على تكوينات متناظرة وخطوط هندسية دقيقة داخل المطبخ وقاعة الطعام، بما يعكس هوس الشيف بالكمال والسيطرة. كما شهدت الإضاءة تحولاً تدريجياً من الدفء والترف إلى البرودة والقسوة، لتعزيز الإحساس بالعزلة والخطر المتصاعد.
رأيي كناقدة
تكمن القيمة الفنية لفيلم The Menu في قدرته على تحقيق انسجام واضح بين الشكل والمضمون. فالجمال البصري في الفيلم لا يقوم على الإبهار وحده، بل يوظف عناصر الصورة لخدمة الفكرة الرئيسية. وقد نجح المخرج في خلق حالة من التوتر البصري المستمر من خلال التكوينات الهندسية الدقيقة، وتصميم الأطباق بوصفها علامات دلالية متحركة، والاستخدام المدروس للإضاءة التي تتصاعد حدتها بالتوازي مع تصاعد الأحداث.
إن هذا التماسك بين البنية البصرية والرؤية الفكرية يجعل الفيلم أكثر من مجرد تجربة ترفيهية، بل يقدمه كنقد ذكي لعلاقة الفن بالسلطة والمال داخل النظام الرأسمالي، ويطرح سؤالاً مهماً حول مصير الفنان عندما يفقد السيطرة على المعنى الحقيقي لفنه.