رئيس التحرير: المستشار محمد صالح الملكاوي [ 00962795755033 ]
آخر الأخبار

حين يتعلم الدماغ... يولد الإنسان من جديد بقلم / د. سامية كيحل

حين يتعلم الدماغ... يولد الإنسان من جديد بقلم / د. سامية كيحل
جوهرة العرب 


حين يتعلم الدماغ... يولد الإنسان من جديد
بقلم / د. سامية كيحل سفيرة التحدي و السلام 
الجزائر 
هناك لحظات في الحياة لا
يكون فيها التحدي هو الألم، بل أن نؤمن بأن داخلنا قدرة لم نستكشفها بعد.

كنت أظن، كما يظن كثيرون، أن إعادة التأهيل رحلة تبدأ بالعضلات وتنتهي بالمشي. لكنني اكتشفت أن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. فالعضلات لا تقود الإنسان، بل الدماغ. والعظام لا تصنع الإرادة، بل الإرادة هي التي تمنح العظام والعضلات سببًا للنهوض كل صباح.

لقد خلق الله الإنسان على صورة من الإعجاز المستمر. فكل خطوة صحيحة تتكرر، وكل محاولة صادقة، وكل سقوط يعقبه نهوض، ليست مجرد حركة جسدية، بل رسالة يكتبها الدماغ في أعماقه، حتى يعيد رسم الطرق التي ظننا يومًا أنها اندثرت.

في البداية، تكون الحركة غريبة، مترددة، مثقلة بالخوف. يراقب الإنسان كل تفصيل: كيف يثني ركبته؟ كيف ينقل وزنه؟ كيف يمنع جسده من السقوط؟ ثم يأتي اليوم الذي تتحول فيه هذه التفاصيل إلى لغة صامتة، لأن الدماغ تعلّمها، وأصبحت جزءًا من طبيعته.

وهنا أدركت حقيقة عظيمة...

الدماغ لا يكافئ الأمنيات، بل يكافئ التكرار.

إنه لا يغير نفسه لأننا نتمنى ذلك، بل لأنه يرى الإصرار يتكرر كل يوم. كل حركة صحيحة هي حرف، وكل تمرين كلمة، وكل يوم من الصبر صفحة، حتى يصبح الإنسان هو الكتاب الذي كتبه بنفسه.

تعلمت أيضًا أن القوة ليست دائمًا في الدفع إلى الأمام، بل أحيانًا في القدرة على التحكم. فالعضلة التي تمنع السقوط لا تقل عظمة عن العضلة التي تدفع إلى الصعود، والإنسان الذي يبطئ خطوته ليتقنها، يتقدم أسرع ممن يركض بلا وعي.

الفلسفة تعلمنا أن الطريق يصنع المسافر، أما العلم فيخبرنا أن الطريق يصنع الدماغ أيضًا. وكل تجربة، مهما كانت صغيرة، تترك أثرًا في الشبكات العصبية، فتجعل الغد مختلفًا عن الأمس. وهكذا يلتقي العلم بالفلسفة في حقيقة واحدة: الإنسان يتشكل بما يكرره، لا بما يتمناه.

ولعل أعظم وهم نعيشه هو انتظار المعجزات المفاجئة. بينما الحقيقة أن المعجزة غالبًا تتخفى في صورة أفعال صغيرة لا يصفق لها أحد: تمرين يتكرر، خطوة تُعاد، سقوط يعقبه نهوض، ويأس يرفض صاحبه أن يستسلم له.

الصبر ليس انتظار الزمن، بل هو العمل في صمت بينما لا ترى العين النتائج بعد. والمثابرة ليست أن لا نتعب، بل أن نواصل رغم التعب. أما الإرادة فهي أن تقول للجسد كل صباح: "سنحاول مرة أخرى"، حتى عندما يجيبك بالألم.

لقد فهمت أن إعادة التأهيل ليست إعادة بناء عضلة، بل إعادة بناء الثقة. ليست استعادة خطوة، بل استعادة إنسان. فالدماغ يتعلم، والعضلات تستجيب، والجسد يتغير، لكن الذي يقود هذه الرحلة كلها هو القلب الذي يرفض الاستسلام.

ولهذا، فإن أعظم انتصار ليس أن تمشي بسرعة، بل أن ترفض التوقف. وليس أن تصل قبل الجميع، بل أن تستمر عندما يظن الجميع أن الطريق انتهى.

إن الإنسان لا يُهزم عندما يضعف جسده، بل عندما يتوقف عن تعليم دماغه، وعن تغذية إرادته، وعن الإيمان بأن في داخله قدرة على البدء من جديد.

وهكذا أدركت أن الشفاء ليس نهاية الألم، بل بداية الحكمة. وأن الحركة ليست مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل انتقال من اليأس إلى الرجاء، ومن الخوف إلى الثقة، ومن العجز إلى الاكتشاف.

فكل خطوة صحيحة هي إعلان صامت بأن العلم يهدي الطريق، والفلسفة تمنح المعنى، والإرادة تشعل البداية، والصبر يحرس المسير، والمثابرة تصنع الإنجاز.

وعندما تجتمع هذه الخمسة... لا يعود الإنسان يتعلم المشي فقط، بل يتعلم كيف يولد من جديد.