رئيس التحرير: المستشار محمد صالح الملكاوي [ 00962795755033 ]
آخر الأخبار

حين تضيق الأوطان بأحلام شبابها… أين أخفقت التنمية العربية؟

حين تضيق الأوطان بأحلام شبابها… أين أخفقت التنمية العربية؟
جوهرة العرب 

النائب فراس محمد القبلان

مشاهد آلاف الشباب وهم يتدفقون نحو سبتة، وبعضهم يخاطر بحياته سباحةً بحثًا عن الوصول إلى الضفة الأوروبية، ليست مجرد قضية هجرة غير شرعية، ولا ينبغي اختزالها في أسوار وحدود وحرس وسواحل. إنها قبل ذلك كله جرس إنذار تنموي، وسؤال كبير ينبغي أن يُطرح على امتداد عالمنا العربي: لماذا يريد شبابنا الرحيل؟

المغرب ليس بلدًا فقيرًا بالمعنى التقليدي للكلمة. فهو يطل على البحر المتوسط والمحيط الأطلسي، ويتمتع بثروة سمكية وقطاعات زراعية وسياحية مهمة، وبنى خلال العقود الماضية بنية تحتية متقدمة، وطوّر صناعات السيارات والطيران والفوسفات والأسمدة، وأصبح ميناء طنجة المتوسط واحدًا من أهم المراكز اللوجستية في المنطقة.

إذن، ماذا ينقص بلدًا يمتلك كل هذه المقومات؟

هنا نصل إلى جوهر المشكلة التي لا تخص المغرب وحده، بل تمتد بدرجات متفاوتة إلى كثير من دولنا العربية: التنمية لا تُقاس بحجم المشاريع وحده، بل بمقدار ما يصل من ثمارها إلى الإنسان.

يمكن للدولة أن تبني الطرق والموانئ والمطارات والمصانع، وأن تحقق معدلات نمو جيدة، لكن السؤال الأهم يبقى: هل وجد الشاب فرصة عمل؟ وهل يستطيع بناء مستقبله بكرامة؟ وهل يشعر بأن التعليم والعمل والاجتهاد يمكن أن تغير موقعه في المجتمع؟ وهل تتوزع مشاريع التنمية بين العاصمة والأطراف، وبين المدن والأرياف، وبين الطبقات الاجتماعية بعدالة؟

عندما تكون الإجابة بالنفي، يصبح النمو الاقتصادي أرقامًا جميلة لا يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

والمشكلة عربية بامتياز. فلدينا النفط والغاز والفوسفات والمعادن، ولدينا البحار والأراضي الزراعية والمواقع السياحية، وموقع جغرافي يتوسط العالم، وفوق كل ذلك لدينا مئات الملايين من البشر، ونسبة كبيرة منهم من الشباب. ومع ذلك ما زالت البطالة بين الشباب في المنطقة العربية من الأعلى عالميًا.

والسؤال الأكثر إيلامًا: لماذا يستطيع الأوروبي أن ينتقل من دولة إلى أخرى بحثًا عن الدراسة والعمل والفرصة، بينما يبقى العالم العربي، رغم وحدة اللغة والتاريخ والثقافة والمصالح، مجموعة من الأسواق والحدود المغلقة أمام بعضها بعضًا؟

أوروبا ليست شعبًا واحدًا، ولا لغة واحدة، ولا قومية واحدة، ولا دينًا واحدًا. خاضت دولها حروبًا مدمرة فيما بينها، ومع ذلك استطاعت أن تبني منظومة تعاون تسمح لملايين الأوروبيين بالدراسة والعمل والاستثمار والتنقل عبر الحدود.

أما نحن العرب، الذين تجمعنا روابط أكثر بكثير مما يجمع شعوب أوروبا، فما زلنا بعيدين عن بناء سوق عربية حقيقية للعمل، أو منظومة اقتصادية تسمح لرأس المال والخبرة والإنسان العربي بالتحرك حيث توجد الفرصة.

ولهذا فإن صور سبتة يجب ألا تُقرأ باعتبارها أزمة مغربية أو إسبانية فحسب، وإنما باعتبارها صورة مصغرة لأزمة عربية أوسع.

الشاب الذي يرمي بنفسه في البحر لا يبحث دائمًا عن بلد أغنى فقط؛ إنه يبحث عن فرصة، وعدالة، وأفق، وشعور بأن الغد يمكن أن يكون أفضل من اليوم.

إن أخطر ما يمكن أن تخسره الدول ليس المال ولا الموارد الطبيعية، بل الإنسان. وعندما تنفق الدولة على البنية التحتية ولا تستثمر بالقدر نفسه في بناء الإنسان وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية، فإن جزءًا من ثمار التنمية يضيع.

نحن بحاجة إلى إعادة تعريف التنمية في عالمنا العربي. التنمية ليست كم طريقًا شققنا، ولا كم مبنى شيدنا، ولا كم مليارًا ارتفع الناتج المحلي، وإنما: كم شابًا وجد عملًا؟ كم أسرة خرجت من الفقر؟ كم قرية وصلتها التنمية؟ وكم مواطنًا أصبح يؤمن أن مستقبله في وطنه أفضل من مستقبله خلف البحر؟

فالدولة الناجحة ليست التي تمنع أبناءها من الهجرة بالأسوار، وإنما التي تجعلهم لا يرون في الهجرة هروبًا وحيدًا نحو المستقبل.

وستظل صورة الشاب الذي يخاطر بحياته سباحةً للوصول إلى الضفة الأخرى سؤالًا يطاردنا جميعًا:

ماذا فعلنا بمواردنا حتى أصبح بعض شبابنا يرى أن الأمل يبدأ من الجهة الأخرى من البحر؟