رئيس التحرير: المستشار محمد صالح الملكاوي [ 00962795755033 ]
آخر الأخبار

نزاع الصحراء المغربية

  نزاع الصحراء المغربية
جوهرة العرب 


نزاع الصحراء المغربية بين المرجعية التاريخية والتحولات الجيوسياسية
يشكل ملف الصحراء المغربية أحد أطول النزاعات الإقليمية في شمال إفريقيا وأكثرها تعقيداً في الأجندة الدولية. وفي الوقت الذي يعيش فيه الملف مرحلة حاسمة تعيد تشكيل توازناته القائمة، يطرح المتابعون للشأن الجيوسياسي سؤال المرجعية الأساسي:

كيف تتقاطع الحجج التاريخية والقانونية مع واقع موازين القوى الحالي في المنطقة؟

السياق التاريخي والقانوني للنزاع
تتعدد الرؤى والمواقف السياسية والقانونية حول ملف الصحراء بناءً على المرجعيات والأسانيد التي يعتمدها كل طرف:

الطرح المغربي: 
تؤكد الرباط أن الأقاليم الجنوبية جزء لا يتجزأ من ترابها الوطني التاريخي. وتستند في ذلك إلى روابط "البيعة" التاريخية التي جمعت عبر العصور سلاطين المغرب بالقبائل الصحراوية، إلى جانب المعاهدات والاتفاقيات الدولية المبرمة قبل فترة الاستعمار الإسباني. وتوضح الدبلوماسية المغربية أن استرجاع المنطقة تم عبر مسار تدرّجي لتفكيك الاستعمار 
توجته المسيرة الخضراء لاتفاقية مدريد سنة 1975، مشددة على أن ممارسة السيادة الفعلية، والتنمية الشاملة، والوجود المؤسساتي والإداري اليوم يُرسخ هذا الحق التاريخي والسياسي.

تُعد جبهة البوليساريو (POLISARIO) تنظيمًا سياسيًا وعسكريًا تأسس عام 1973، ويتكون اسمها من أحرف الاختصار لـ الجبهة الشعبية لتحرير سقية الحمراء وواد الذهب. 
انطلقت الجبهة في بدايتها لمقاومة الاستعمار الإسباني، 
وعقب انسحابه سنة 1975، أعلنت قيام الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، لتدخل في صراع مسلح مع المغرب حول السيادة على المنطقة، وهو الصراع الذي توقف بموجب اتفاق لوقف إطلاق النار رعته الأمم المتحدة عام 1991.

مواقف دول الجوار من نزاع الصحراء
الجزائر:
 تُشكل السند الإقليمي والداعم الأكبر لجبهة البوليساريو؛ إذ تُؤوي مخيمات اللاجئين الصحراويين في منطقة تندوف، وتوفر للجبهة مظلة دبلوماسية ودعمًا عسكريًا وماليًا مكثفًا. وتتأسس الرؤية الجزائرية للنزاع على أنه مسألة تصفية استعمار وحق في تقرير المصير.

موريتانيا: 
شاركت كطرف مباشر في النزاع عند تقسيم الإقليم مع المغرب عام 1975، لكنها انسحبت كليًا سنة 1979. وتتبنى نواكشوط منذ ذلك الحين سياسة الحياد الإيجابي، مساندةً جهود الأمم المتحدة للتوصل إلى تسوية سلمية.

إسبانيا: 
بصفتها القوة الاستعمارية السابقة والمحيط الجغرافي القريب، حافظت مدريد على موقف محايد لعقود، قبل أن تُحدث تحولًا فارقًا في موقفها عام 2022 بإعلان دعمها لمقترح الحكم الذاتي الذي يقدمه المغرب، واصفةً إياه بالحل الأكثر واقعية وجدية للنزاع.

الجذور الجيوسياسية لطرح البوليساريو والجزائر
تستند الخلافات والمواقف المتباينة حول قضية الصحراء سواء لدى الجزائر أو مالي أو غيرهما إلى أبعاد جيوسياسية وتاريخية وأمنية، بعيدًا عن أي خلفيات مذهبية أو دينية.

وفي هذا السياق، تطرح جبهة البوليساريو 
 بدعم جزائري كامل سياسيًا ولوجستيًا وماليًا 
رؤيةً تعتبر الإقليم وحدة مستقلة لم تكن تابعة لأي سيادة قبل الحقبة الاستعمارية الإسبانية.
 وتطالب الجبهة بتفعيل خيار تقرير المصير عبر تنظيم استفتاء شعبي، مستندةً في طرحها إلى أجزاء من الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر عام 1975، بالإضافة إلى المقررات الأممية الخاصة بإنهاء الاستعمار.

موقف الأمم المتحدة والمجتمع الدولي: 
لا تعترف الأمم المتحدة بـ جمهورية البوليساريو، وفي الوقت ذاته تدرج الإقليم ضمن قائمة الأقاليم غير المحكومة ذاتياً.
 غير أن الموقف الدولي شهد تحولاً جوهرياً خلال السنوات الأخيرة،
 حيث انتقل التركيز من خيار الاستفتاء الذي أثبتت التطورات عدم قابليته للتطبيق إلى فرضية الحل السياسي الواقعي، العملي، والمستدام القائم على التوافق.

تحولات الواقع الميداني والدينامية الدبلوماسية
شهدت العقود الأخيرة تحولاً نوعياً في الاستراتيجية المغربية، ارتكز على التوازن بين فرض واقع تنموي وميداني صلب، وتوسيع شبكة الاعترافات الدولية بالسيادة الوطنية:

مبادرة الحكم الذاتي (2007): 
قدم المغرب طرحاً يمنح الأقاليم الجنوبية حكم أوتونومياً موسعاً تحت السيادة المغربية، وهو المقترح الذي بات يحظى بالدعم الأكثر ترجيحاً دولياً، وتصفه قرارات مجلس الأمن المتتالية بالخيار الجدّي وذي المصداقية.

التمدد الدبلوماسي: تجسد التحول الميداني في فتح عشرات القنصليات العامة لدول إفريقية وعربية ولاتينية في مدينتي العيون والداخلة، ما شكل اعترافاً سياسياً وإدارياً بالسيادة المغربية.

تحول مواقف القوى العظمى:
 اتخذت عواصم فاعلة في القرار الدولي مثل واشنطن ومدريد وباريس مواقف صريحة تعترف بمبادرة الحكم الذاتي كأساس تنفيذي ووحيد لحل هذا النزاع الإقليمي.

التوازنات الإقليمية وآفاق المستقبل
تتداخل في ملف الصحراء المغربية حسابات استراتيجية معقدة، يتقاطع فيها الدعم الأمريكي الصريح لمبادرة الحكم الذاتي مع استمرار التوتر الإقليمي المحتدم بين الرباط والجزائر التي تُعد الفاعل الرئيسي الموجه للنزاع. في المقابل، ينظر الاتحاد الأوروبي إلى الاستقرار في الأقاليم الجنوبية للمغرب كحائط صد حيوي لحماية أمنه القومي واستقرار حوض المتوسط.

تتجه المقاربة المغربية حالياً نحو استثمار المكاسب الدبلوماسية والمشروعات التنموية الكبرى، لتحويل الصحراء إلى مركز اقتصادي ولوجستي يربط العمق الإفريقي بالشرق الأوسط وأوروبا؛ مما يجعل من حسم هذا الملف تحت السيادة المغربية الممر الأساسي لتعزيز الأمن والسلم الإقليميين.

1. لماذا تدعم الجزائر جبهة البوليساريو ولا تقف مع المغرب؟
يرجع الموقف الجزائري إلى عدة عوامل تاريخية واستراتيجية متداخلة:

العقيدة السياسية وتقرير المصير: 
تبنت الجزائر منذ استقلالها عام 1962 أدبيات حركة عدم الانحياز وحركات التحرر الوطني، وتعتبر قضية الصحراء الغربية مسألة "تصفية استعمار" وحق شعب في تقرير مصيره عبر الاستفتاء.

التنافس الجيوسياسي والإقليمي:
 يوجد تنافس تاريخي قديم بين المغرب والجزائر حول الريادة في منطقة المغرب العربي، وتعود جذوره إلى نزاعات حدودية سابقة مثل حرب الرمال عام 1963. ترى الجزائر في قيام دولة مستقلة بالصحراء وسيلة للحفاظ على "توازن القوى" في المنطقة ومنع التمدد الجغرافي للمغرب.

المنفذ إلى المحيط الأطلسي: من الناحية الاستراتيجية، فإن وجود دولة حليفة للجزائر في الصحراء الغربية كان سيوفر لها منفذاً مباشراً على المحيط الأطلسي لتصدير ثرواتها مثل حديد منطقة غار جبيلات.

الدفاع عن مبدأ ثبات الحدود: 
تصر الجزائر على المبدأ الإفريقي القاضي باحترام الحدود الموروثة عن الاستعمار لمنع أي إعادة رسم للحدود في المنطقة.

2. ماذا عن موقف دولة مالي؟
خلافاً للجزائر، دولة مالي لا تعتبر داعماً رسمياً للبوليساريو بالمعنى العسكري أو المالي، وموقفها يحمل أبعاداً مختلفة:
الموقف الرسمي الحالي:
 تتبنى مالي رسمياً موقفاً أقرب إلى الحياد ودعم جهود الأمم المتحدة للتوصل إلى حل سياسي. وتربط مالي في السنوات الأخيرة علاقات أمنية واقتصادية وقوية مع المغرب.

الاعتبارات الداخلية والأمنية:
 تعاني مالي نفسها من مشاكل التمرد والحركات الانفصالية في شمالها منطقة الأزواد، ولذلك تتردد كثيراً في دعم حركات انفصالية في دول أخرى، لأن ذلك قد يرتد عليها داخلياً.

الضغوط والجوار:
 تقع مالي تحت تأثير التوازنات الإقليمية؛ فالجزائر تلعب دور الوسيط التاريخي في الأزمات المالية الداخلية مثل اتفاق الجزائر للسلام، مما يجعل باماكو تحرص على عدم اتخاذ مواقف تصادمية حادة مع الجزائر، مع الحفاظ في الوقت نفسه على علاقات طيبة مع الرباط.

                                هانم داود