رئيس التحرير: المستشار محمد صالح الملكاوي [ 00962795755033 ]
آخر الأخبار

حين يصبح التسامح وطنا للروح كتب الأديب العراقي عدنان الدوسري

حين يصبح التسامح وطنا للروح  كتب الأديب العراقي عدنان الدوسري
جوهرة العرب
ثمة مدن نزورها فنحتفظ بصورها في هواتفنا، ومدن نغادرها فنحمل ذكرياتها في حقائبنا، غير أن هناك مدنا نادرة لا تكتفي بأن تسكن الذاكرة، بل تتسلل إلى أعماق الروح، وتترك في القلب أثرا يصعب تفسيره، كأننا لم نزرها للمرة الأولى، بل عدنا إليها بعد غياب طويل.

هكذا كانت الإمارات بالنسبة إلي، وتحديدا دبي.

حين وطئت أرضها، لم يكن ما استوقفني ذلك العمران الشاهق الذي يعانق الغيوم، ولا الشوارع التي تتباهى بنظامها، ولا الأبراج التي تحولت إلى شواهد على عبقرية الإنسان في صناعة المستحيل. فقد زرت مدنا كثيرة في هذا العالم، ورأيت من مظاهر التقدم والعمران ما يدهش العين ويثير الإعجاب. لكن ما وجدته في دبي كان مختلفا تماما؛ شيئا لا تلتقطه عدسات المصورين، ولا تقيسه المؤشرات الاقتصادية، ولا تختصره تقارير التنمية.لقد شعرت بانشراح غريب في صدري، وطمأنينة لم أعهدها في أي بقعة زرتها من قبل، حتى خيل إلي أن شيئا ثقيلا كان يستوطن روحي قد انزاح عنها دون أن أشعر.لم أكن أعرف سببا واضحا لذلك الإحساس. كنت أمشي في شوارع دبي، وأجلس في مقاهيها، وأتجول بين أسواقها ومراكزها التجارية، فأشعر أن المكان لا يطالبني بأن أكون أحدا غير نفسي، ولا يسألني من أين جئت، ولا لماذا جئت، ولا إلى أي أرض أنتمي.

وكان هذا الشعور وحده كافيا لأن يوقظ في داخلي سؤالا ظل يرافقني طوال إقامتي: ما السر الذي يجعل الإنسان يشعر بكل هذا السلام النفسي في مدينة لم يولد فيها، ولا تربطه بأرضها ذكريات الطفولة؟ بدأت أبحث عن الإجابة، لا في الكتب ولا في نشرات الأخبار، وإنما في وجوه الناس، وفي أحاديث العابرين، وفي التفاصيل الصغيرة التي غالبا ما تمر أمامنا دون أن ننتبه إلى عظمتها.سألت أشخاصا من جنسيات مختلفة، وأصغيت إلى تجارب من عاشوا هنا سنوات طويلة، وتأملت ذلك التنوع الإنساني المدهش الذي يجتمع في مساحة واحدة، حتى بدأت ملامح الإجابة تتشكل أمامي.

إنه التسامح .

ليس التسامح بوصفه كلمة جميلة تتردد في الخطب والمناسبات، ولا شعارا يزين الجدران والمؤسسات، بل التسامح حين يتحول إلى ثقافة يومية، وإلى سلوك إنساني، وإلى شعور عميق بأن الإنسان محترم لكونه إنسانا، بصرف النظر عن جنسيته أو لغته أو معتقده أو مكانته الاجتماعية.في دبي، كما عشتها، لا يبدوالاختلاف عبئا ينبغي احتماله، بل حقيقة إنسانية يجري التعايش معها بأريحية. ترى الوجوه القادمة من أقاصي الأرض، وتسمع لغات لا تعرف أسماء بعضها، وتشاهد ثقافات متعددة تتقاطع في شارع واحد، دون أن تشعر بأن هذا التنوع ينتزع من المكان انسجامه.وهنا أدركت أن أعظم ما يمكن أن تنجزه دولة ليس أن تشيد أطول برج في العالم، بل أن تبني في داخل الإنسان شعورا بالأمان والقبول والانتماء. فالعمران، مهما بلغ من الجمال، يبقى حجارة وزجاجا وحديدا إذا لم تسكنه روح إنسانية تمنحه معناه. أما المدن التي تمنح الإنسان راحته النفسية، فإنها تتجاوز حدود الجغرافيا لتصبح وطنا مؤقتا لأرواح أنهكتها الحياة.وما أثار تأملي أكثر أن الأثر الطيب لم يكن مرتبطا بمكان بعينه أو بموقف استثنائي. كنت ألمسه في التفاصيل العابرة؛ في ابتسامة موظف، وفي لطف عامل، وفي طريقة التعامل داخل مركز تجاري، وفي احترام الناس لبعضهم وهم يتقاسمون الأرصفة والمصاعد وأماكن الانتظار.تفاصيل قد تبدو بسيطة، لكنها في حقيقتها تشكل المناخ النفسي للمدينة. فالإنسان لا يشعر بالطمأنينة لأن الأبراج مرتفعة، بل لأنه لا يحتاج إلى أن يرفع حذره في كل لحظة. ولا يشعر بالانشراح لأن الشوارع واسعة، بل لأن صدر المكان أوسع من اختلافات البشر.ولعلني، بحكم ما عشته من أسفار وتنقلات، أصبحت أكثر حساسية تجاه تلك المشاعر التي لا يمكن شراؤها بالمال. فقد تعلمت أن الغربة ليست دائما ابتعاد الإنسان عن وطنه، وإنما قد تكون شعوره بأنه غريب حتى بين أهله، وأن الانتماء ليس مجرد وثيقة أو عنوان إقامة، بل حالة وجدانية تنشأ حين يجد المرء مكانا يتسع لكرامته وخصوصيته وإنسانيته.لهذا لم يكن إعجابي بالإمارات إعجاب سائح بمظاهر الرفاهية، وإنما امتنان إنسان وجد في رحلته شيئا كان يفتقده دون أن يعرف اسمه.ولا يعني ذلك أن الحياة هنا تخلو من التحديات، أو أن كل تجربة إنسانية فيها متشابهة، فالمدن، مهما بلغت من الرقي، تظل فضاءات بشرية لها تعقيداتها وظروفها. لكن ما يستحق التأمل هو قدرة مجتمع متعدد الجنسيات والثقافات على ترسيخ مناخ عام يجعل الاحترام والتعايش جزءا من التجربة اليومية.

وهذا، في تقديري، أحد أعمق وجوه التنمية التي تستحق أن تدرسها المجتمعات العربية.فنحن كثيرا ما نقيس نجاح الدول بمعدلات النمو، وحجم الاستثمارات، وكفاءة البنية التحتية، وعدد المشروعات العملاقة، وهي جميعا مؤشرات مهمة. لكن ثمة مؤشرا إنسانيا لا يقل أهمية عنها":ما مقدار السلام الذي يشعر به الإنسان وهو يعيش في دولة الإمارات العربية المتحدة . كان مقيما أو زائرا".

لقد جعلتني دبي أعيد التفكير في مفهوم الحضارة نفسه. فالحضارة ليست ما تبنيه الأمم فوق الأرض فحسب، بل ما تزرعه في نفوس الذين يمشون فوقها. وليست قوة الدولة في قدرتها على اجتذاب رؤوس الأموال وحدها، بل في قدرتها على اجتذاب القلوب أيضا.وأحسب أن دولة الإمارات العربية المتحدة استطاعت أن تقدم، في تجربتي الشخصية، نموذجا يستحق التأمل في هذا الجانب؛ إذ لم أشعر أنني أمام مدينة تريد أن تبهرني بما تملك، بقدر ما شعرت أنني في مكان يترك لي مساحة لأن أتصالح مع نفسي.ولعل أجمل ما في هذه الرحلة أنها أعادت إلي إحساسا كنت أظنه قد غادرني منذ زمن؛ ذلك الشعور الخفيف الذي يجعل الإنسان يستيقظ دون ضيق، ويمشي دون قلق، ويبتسم دون سبب واضح، كأن الحياة، بعد طول قسوة، قررت أن تربت على كتفه قليلا.لقد جئت إلى دولة  الإمارات العربية المتحدة أحمل حقيبة سفر، ولم أكن أعلم أنني سأعود منها محملا بشيء أثمن من الصور والذكريات: شعور عميق بأن في هذا العالم أماكن تستطيع أن تمنح الروح استراحة من أوجاعها.واليوم، كلما سألت نفسي عما أحببته في دبي، لا تحضر الأبراج أولا، ولا الشواطئ، ولا الأسواق، وإنما يحضر ذلك السلام الداخلي الذي تسلل إلي دون استئذان.لقد فهمت أخيرا أن بعض الأوطان لا نحتاج إلى أن نولد فيها كي نحبها، وأن بعض المدن لا تمنحنا جنسية جديدة، لكنها تمنح أرواحنا إحساسا جديدا بالحياة.

شكرا دولة الإمارات العربية المتحدة ، لا  لأنك أدهشت عيني بما بنيت، بل لأنك لامست قلبي بما زرعت .فثمة مدن نغادرها حين تنتهي الرحلة،وثمة مدن تنتهي الرحلة ولا تغادرنا

وهكذا ستبقى الإمارات في القلب، لا بوصفها مكانا زرته،  وتلك  الطمأنينة  التي عشتها، وأثرا طيبا سأحمله معي أينما ذهبت.