ليست المشكلة في أن تتوافق الأحزاب، وليست الأزمة في أن تتفق الكتل النيابية على رئيس لمجلس النواب أو على أعضاء مكتبه الدائم؛ فالتوافق جزء أصيل من العمل السياسي، والتفاهمات سمة من سمات الحياة البرلمانية. لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح بقوة هو: **متى يصبح التوافق ممارسة ديمقراطية، ومتى يتحول إلى وسيلة لإعادة توزيع النفوذ بعيدًا عن روح التعددية التي قامت عليها منظومة التحديث السياسي؟**
ما جرى في التوافقات الحزبية المتعلقة برئاسة مجلس النواب ومكتبه الدائم يفتح الباب أمام قراءة تتجاوز أسماء المرشحين وحسابات الفوز والخسارة، لتصل إلى جوهر التجربة الحزبية الأردنية، وإلى المسافة الفاصلة بين ما يُقال عن التحديث السياسي وما يجري على أرض الواقع.
فالتوافق على تسمية النائب الدكتور إبراهيم الطراونة لرئاسة المجلس، بعد انسحاب مرشح حزب مبادرة النائب مصطفى الخصاونة، وسحب ترشيح النائب سليمان حويلة الزبن، لم يكن مجرد تطور في سباق نيابي على موقع الرئاسة؛ بل كشف عن قدرة الأحزاب على تنسيق مواقفها والتأثير في اتجاهات المنافسة، في مشهد يعكس تنامي دور التنظيمات الحزبية تحت القبة.
وهنا، لا بد من الإقرار بأن هذا الدور يمثل أحد الأهداف التي سعت منظومة التحديث السياسي إلى تحقيقها؛ إذ لا معنى لحياة حزبية لا تستطيع التأثير في القرار، ولا قيمة لأحزاب تبقى مجرد أسماء على الورق، أو عناوين انتخابية تنتهي مهمتها بانتهاء صناديق الاقتراع.
لكن الوجه الآخر للمشهد يستحق التوقف طويلًا؛ فبينما نجحت أحزاب في بناء تفاهماتها وترتيب خياراتها، بدا حضور كتلة حزب الأمة غائبًا عن مسار الحوارات التي أفضت إلى هذه التوافقات، باستثناء لقاء غير رسمي جمع رئيس الكتلة النائب صالح العرموطي بالنائب عن حزب الميثاق الدكتور إبراهيم الطراونة.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
**فإذا كان التحديث السياسي قد جاء لتوسيع المشاركة، فكيف يمكن الاطمئنان إلى مساره حين تتشكل التفاهمات الكبرى من دون حوار سياسي شامل مع مختلف القوى الموجودة تحت القبة؟**
لا يتعلق الأمر بحق أي حزب في التوافق مع من يشاء، ولا بفرض شراكة قسرية على أطراف تختلف في رؤاها وحساباتها؛ فالديمقراطية لا تعني أن يوافق الجميع على كل شيء، ولا أن يحصل الجميع على المواقع ذاتها. لكنها تعني، في الحد الأدنى، أن تكون المنافسة مفتوحة، وأن يكون الحوار ممكنًا، وأن تبقى التعددية قيمة حاكمة للعمل السياسي، لا مجرد رقم يُستحضر في الخطابات.
فثمة فرق كبير بين أن تخسر كتلة نيابية موقعًا بعد منافسة سياسية واضحة، وبين أن تجد نفسها خارج مسار التفاهمات التي ترسم ملامح المنافسة أصلًا. الأول من طبيعة الديمقراطية، أما الثاني فيثير سؤالًا عن حدود الانفتاح السياسي ومدى استعداد القوى الحزبية للتعامل مع الاختلاف بوصفه حقًا أصيلًا، لا عبئًا ينبغي تجاوزه.
والأخطر أن تتحول التوافقات، مع مرور الوقت، إلى دوائر مغلقة تتبادل فيها القوى الأكثر تنظيمًا أو نفوذًا الدعم والمواقع، بينما تكتفي بقية الأطراف بمراقبة المشهد من خارجه. عندها لن تكون المشكلة في اسم الرئيس، ولا في هوية أعضاء المكتب الدائم، بل في طبيعة الثقافة السياسية التي تنتج هذه المشاهد وتعيد تكرارها.
**الديمقراطية لا تُقاس فقط بمن يصل إلى الموقع، بل أيضًا بالطريق الذي أوصله إليه، وبالمساحة التي أُتيحت للآخرين للمشاركة في صناعة القرار.**
ولعل المفارقة الأبرز في هذا المشهد أن الأحزاب التي طالبت طويلًا بتعزيز حضورها في الحياة العامة، واعتبرت التحديث السياسي فرصة تاريخية للانتقال من العمل الفردي إلى العمل المؤسسي، أصبحت اليوم أمام امتحان مختلف: هل يكفي أن تنجح في تنظيم صفوفها والتأثير في الاستحقاقات النيابية، أم أن مسؤوليتها تقتضي أيضًا حماية البيئة السياسية التي تتيح للأحزاب الأخرى أن تنمو وتشارك وتؤثر؟
إن الانتقال إلى الحياة الحزبية لا يكتمل بمجرد زيادة عدد الأحزاب أو اتساع حضورها تحت القبة. فالحياة الحزبية الحقيقية تقوم على المنافسة البرامجية، وتبادل الأفكار، وبناء التحالفات على أسس سياسية واضحة، وتقديم المصالح الوطنية على الحسابات الضيقة. أما إذا اختُزلت التجربة في التفاهم على المواقع، فإننا نكون قد غيّرنا أدوات العمل السياسي من دون أن نضمن تغيير ثقافته.
ومن هنا، فإن الحديث عن إقصاء كتلة حزب الأمة، بوصفه قراءة للمشهد الراهن، لا ينبغي أن يتحول إلى حكم نهائي على نيات الأطراف أو دوافعها؛ لكنه يظل سؤالًا سياسيًا مشروعًا يستحق إجابة واضحة: هل كان غياب الكتلة عن التفاهمات نتيجة اختلاف في المواقف والحسابات، أم أن آليات الحوار نفسها لم تترك مساحة كافية لمشاركتها؟
الإجابة عن هذا السؤال ليست تفصيلًا هامشيًا؛ لأنها تكشف ما إذا كانت التوافقات الحزبية تُبنى على أساس التنافس المفتوح، أم أن منطق الاصطفاف قد بدأ يطغى على منطق الشراكة.
وليس مطلوبًا من الأحزاب أن تتخلى عن مصالحها السياسية، أو أن تتنازل عن حقها في بناء تحالفات تخدم برامجها. المطلوب أن تدرك أن نجاحها لا ينفصل عن نجاح التجربة التي تعمل داخلها، وأن القوة السياسية لا تُقاس فقط بعدد المواقع التي تستطيع حسمها، بل أيضًا بقدرتها على إدارة الاختلاف، وتوسيع دائرة الحوار، وبناء الثقة مع الناخبين.
فالأحزاب التي تنجح في الوصول إلى مراكز القرار، لكنها تعجز عن إقناع المواطنين بأن التعددية تتجاوز حدود المنافسة على المناصب، ستواجه سؤالًا أصعب من سؤال الفوز والخسارة: ماذا أضافت إلى الحياة السياسية؟
وهنا تقع المسؤولية الأكبر على عاتق منظومة التحديث السياسي برمتها. فالتحديث ليس نصوصًا قانونية فحسب، ولا مسارات انتخابية، ولا انتقالًا شكليًا من العمل الفردي إلى العمل الحزبي. إنه مشروع لبناء علاقة جديدة بين المواطن والسياسة، وبين الناخب وممثله، وبين الحزب والمجتمع.
وهذه العلاقة لا تُبنى بالخطابات وحدها، بل بالممارسة التي يلمسها المواطن، وبقدرته على رؤية التعددية حاضرة في صناعة القرار، لا محصورة في لحظة التصويت.
فإذا كانت الأحزاب قد أثبتت قدرتها على صناعة التوافقات، فإن التحدي المقبل يتمثل في إثبات قدرتها على جعل هذه التوافقات أكثر انفتاحًا، وأكثر اتصالًا بالبرامج والأفكار، وأبعد عن اختزال العمل السياسي في حسابات المواقع. وإذا كان مجلس النواب هو المؤسسة التي يفترض أن تتجسد فيها إرادة الناخبين بمختلف اتجاهاتهم، فإن مسؤوليته لا تقف عند انتخاب رئيسه ومكتبه الدائم، بل تمتد إلى تقديم نموذج في التشريع والرقابة والحوار واحترام التعددية.
ولا يمكن فصل ذلك عن ثقة المواطنين؛ فالمواطن الذي يُطلب منه الانخراط في الحياة الحزبية، والإيمان بجدوى المشاركة السياسية، يحتاج إلى أن يرى أثر هذه المشاركة في الممارسة اليومية. أما إذا بدت السياسة وكأنها تُدار داخل غرف التفاهمات المغلقة، فإن المسافة بين المواطن والمؤسسات قد تتسع، حتى لو بقيت الإجراءات الدستورية قائمة وسليمة من الناحية الشكلية.
**إن أخطر ما يمكن أن يصيب مشروع التحديث السياسي ليس فشل حزب في حصد موقع، بل أن يفقد المواطن ثقته بأن التعددية قادرة على إحداث فرق حقيقي في طريقة إدارة الشأن العام.**
لهذا، فإن ما جرى من توافقات لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره نهاية معركة رئاسة المجلس، بل بداية اختبار سياسي أوسع للأحزاب التي شاركت فيها، وللكتل التي بقيت خارجها، ولقدرة الجميع على تحويل المنافسة إلى شراكة في المسؤولية الوطنية.
فالتوافقات قد تحسم أسماء، لكنها لا تحسم وحدها شرعية التجربة في عيون الناس. والمواقع قد تُكتسب بالأصوات والتحالفات، لكن الثقة لا تُمنح بالطريقة ذاتها؛ إنها تُبنى عبر الممارسة، وتُختبر عند الاختلاف، وتتراجع حين يشعر المواطن بأن التعددية التي وُعد بها لم تتجاوز حدود الشعار.
وفي نهاية المطاف، لا يحتاج الأردن إلى أحزاب تتقن التوافق على المواقع فقط، بل إلى أحزاب تتقن بناء الحياة السياسية، وتؤمن بأن المنافسة لا تكتمل بإبعاد الخصوم عن طاولة الحوار، وأن قوة الحزب لا تعني بالضرورة إضعاف الآخرين، وأن نجاح التحديث لا يُقاس بما تحققه الأحزاب من مكاسب منفردة، بل بما تضيفه مجتمعة إلى الدولة والمجتمع.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يواجهه الجميع، من دون مواربة أو أحكام مسبقة:
**هل نحن أمام ولادة حياة حزبية قادرة على تحويل التعددية إلى قوة سياسية حقيقية، أم أمام إعادة إنتاج للسياسة القديمة بأدوات حزبية جديدة؟**
ذلك هو الاختبار الفعلي لمنظومة التحديث السياسي؛ لا من يجلس على مقعد الرئاسة، ولا من يدخل المكتب الدائم، بل ما إذا كانت التجربة ستفتح أبواب المشاركة أمام الجميع، أم ستكتفي بتغيير أسماء اللاعبين فيما تبقى قواعد اللعبة على حالها.